مناجم الذهب “كلمة السر”.. لهذه الأسباب دعم ساويرس و الإمارات “حميدتي” في معارك السودان

- ‎فيتقارير

 

أثار الدور الإماراتي الغامض في أزمة السودان الحالية تساؤلات حول "كلمة السر" التي أدت إلى اندلاع الحرب بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ونائبه قائد قوات الدعم السريع "حميدتي" برعاية إماراتية، وذلك لتحقيق مصالح اقتصادية تتعلق بذهب السودان واستراتيجية أخرى تتعلق بنهب موانيه الحيوية.

أيضا أثار دور رجل الأعمال نجيب ساويرس في الأزمة، ودعمه حميدتي ضد البرهان وجيش السودان تساؤلات حول مصالحه في التعدين في ذهب السودان الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع التابعة لحميدتي.

 

"ذهب" حميدتي

يمتلك حميدتي ثروة هائلة مستمدة من نهب ذهب السودان من المناجم غير القانونية، وتصديره للخارج، خاصة الإمارات التي تشتريه بأسعار رخيصة مقابل دعمها له سياسيا وعسكريا.

يقود حميدتي شركة خاصة تسمى "الجنيد" وهي شركة تعدين وتجارة يقودها شقيقه عبد الرحيم دقلو، بحسب وثائق نشرها موقع "جلوبال ويتنس" 19 ديسمبر 2019، وهي منظمة غير حكومية لمكافحة الفساد.

وحصلت هذه المنظمة على بيانات مصرفية ووثائق مؤسسية تُظهر أن حميدتي ورجال شركته يحتفظون بحساب بنكي باسمهم في بنك أبو ظبي الوطني في دولة الإمارات العربية المتحدة.

أيضا كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية 10 فبراير 2020 تفاصيل مثيرة عن سيطرة قوات الدعم السريع التي يقودها حميدتي على مناجم الذهب في البلاد ودور الإمارات في هذا القطاع واستحواذها على معظم صادرات الذهب السوداني.

قالت: إن "من يشتري هذا الذهب، الذي يسيطر عليه وينهبه حميدتي، هي الإمارات ومرتزقة فاغنر الروسية التي تتولى عمليات نقله وحمايته، عبر عمليات مشبوهة".

وقالت الصحيفة: إن "الإمارات تعد أكبر مستورد للذهب السوداني في العالم، حيث تُظهر بيانات منظمة التجارة العالمية لعام 2018 أنها استوردت 99.2 بالمائة من صادرات السودان من الذهب".

كما أنها تعاقدت أيضا مع ميليشيا قوات الدعم السريع للقتال في اليمن وليبيا، مقابل أموال.

وقد كشف تحقيق لوكالة "بلومبيرج" 28 ديسمبر 2021،  يجري تهريب أطنان من الذهب من 9 دول، أبرزها السودان، للإمارات ثم تُحول لمجوهرات وسبائك لطمس مصدرها.

ويدعم إعلام الإمارات حميدتي في الصراع الحالي مع الجيش، ويركز على أخبار قواته، لأن هذا يصب في مصلحة الامارات التي تتعاون معه لنهب ذهب السودان مقابل دعمه ماليا.

وكان صمت الإمارات في بداية معارك السودان، لافتا، ولم يأت تدخلها مع مصر من أجل وقف القتال، إلا بعدما ظهر تغلب الجيش السوداني نسبيا وإفشاله انقلاب حميدتي السريع، وإطالة الحرب ما سيؤثر على مصالحها وتجارة الذهب إليها.

وفي 15 يوليو 2022 قالت مجلة فورين بوليسي: إن "سيطرة قوات الدعم السريع على الصناعة الأكثر ربحية في السودان (الذهب) يعقد مسار البلاد نحو الديمقراطية ويهدد عملية انتقال السلطة".

أشارت إلى سيطرة قوات الدعم السريع على منجم جبل عامر للذهب في دارفور في عام 2017، وعلى ثلاثة مناجم ذهب أخرى على الأقل في أجزاء أخرى من البلاد مثل جنوب كردفان، مما حول "حميدتي" إلى أحد أغنى رجال السودان وجعله لاعبا رئيسيا.

 

تورط الإمارات

نقلت صحيفة "فايننشيال تايمز" 16 أبريل 2023 عن مسئول سوداني قوله: إن "حميدتي يتلقى الدعم من الإمارات والسعودية، لأنه مدهم بقوات برية تابعة لقوات الدعم السريع للحرب معهم في اليمن ضد المتمردين الحوثيين".

أضاف "لقد أعطوه الكثير من النقود على مدى السنوات العشر الماضية، وحميدتي بالنسبة لهم، هو الرهان الأقوى في الخرطوم حاليا لأنه يملك أكثر الوحدات تنظيما".

أوضح أن حميدتي أقام أيضا علاقات وثيقة مع روسيا، وزار موسكو قبل أيام فقط من بدء الرئيس فلاديمير بوتين غزوه لأوكرانيا، وأن الشركات الروسية المرتبطة بفاغنر بالسودان تتربح من صادرات الذهب غير القانونية التي يقدمها لهم حميدتي.

ويؤكد تقرير لوكالة "رويترز" 15 أبريل 2023 أن حميدتي "كان له مطلق الحرية في الاستيلاء على مناجم الذهب في دارفور وبيع أغلى موارد السودان، ومع انتقال السودان من أزمة اقتصادية إلى أخرى، أصبح حميدتي ثريا".

وأشارت إلى قوله في مقابلة سابقة مع "بي بي سي": "أنا لست أول رجل لديه مناجم ذهب، نعم لدينا مناجم ذهب وليس هناك ما يمنعنا من العمل في الذهب".

كما أنه أقام صداقات قوية مع الإمارات العربية المتحدة والسعودية بعد أن أرسل قوات الدعم السريع لدعمها ضد المتمردين المتحالفين مع إيران في الحرب الأهلية اليمنية.

وقد أكدت صحيفة "نيويورك تايمز" 5 يونيو 2022، في تحقيق تتبعت فيه مسار ذهب السودان الذي يبيعه حميدتي، أن معظم إنتاج السودان من الذهب، يتم تهريبه عبر دولة الإمارات.

قالت" إن "الإمارات هي المركز الرئيسي للذهب الأفريقي غير المصرح به، أي المنهوب بواسطة حميدتي، في وقت تعلن في وزارة التعدين السودانية أن 80 بالمائة من ذهب السودان يخرج من البلاد بطريقة غير شرعية".

ومن دلائل الدعم الإماراتي لحميدتي أيضا أن صفحة الأخير، الرسمية الموثقة على فيسبوك، يديرها نشطاء من الإمارات حسبما كشف خبراء إنترنت.

ويوم 27 أكتوبر 2021 قالت صحيفة " واشنطن بوست": إن "المال الإماراتي السري منح الجنرالات في السودان ورقة نفوذ قوية على المجال السياسي وسمح لهم بتوطيد سلطتهم"، ملمحا لدعمها حميدتي مع البرهان حينئذ للقيام بانقلاب أكتوبر 2021 ضد المكون المدني في الحكم.

وأشار تقرير لـ "مركز الإمارات للدراسات والإعلام" الإماراتي المعارض (إيماسك) 17 إبريل 2023 أن هناك علاقة خاصة تجمع حميدتي بالإمارات، وأنه يتلقى منها دعما عبر طحنون بن زايد، مستشار الأمن القومي الإماراتي.

أكد أن "كلمة السر في تلك العلاقة هي الذهب" حيث تسيطر قوات الدعم السريع على أربعة مناجم ذهب تذهب للإمارات.

 

علاقات مالية بين حميدتي وأبو ظبي 

وأشار إلى تحقيق استقصائي نشرته شبكة "جلوبال ويتنس" global witness الدولية 9 ديسمبر 2019، غير الحكومية حول إمبراطورية قوات الدعم السريع السودانية وقائدها حميدتي وعلاقة كل ذلك بالإمارات.

حيث أوضح التحقيق، أن هناك شركات لعبت دور الواجهة للأعمال المالية لقوات الدعم السريع ونفذت عمليات تحويل إلى تلك القوات من الإمارات، ومنها إلى شركات سودانية يسيطر عليها أفراد من عائلة حميدتي، متورطة في سرقة ثروات البلاد، وأبرزها الذهب.

وقال التحقيق: إن "وثائق حصلت عليها الشبكة وكشفت أن قوات الدعم السريع تمتلك حساباً بنكيا مستقلا خارج السودان، في بنك أبو ظبي الوطني".

وأضاف التحقيق أن شركة تدعى "تراديف للتجارة العالمية"، مسجلة في الإمارات، ثبت أنها تستخدم كواجهة لتعاملات قوات الدعم السريع المالية، وأن شقيق حميدتي هو المدير والمالك المسجل في الإمارات لهذه الشركة.

وأشارت الوثائق إلى تلقي شركة تراديف في حسابها ببنك النيلين السوداني، 50 مليون درهم إماراتي (نحو 13 مليون دولار) من حساب الدعم السريع ببنك أبو ظبي، على دفعات.

كما قامت الشركة بتحويل 48 مليون درهم إلى الدعم السريع، ووصفت إحدى الوثائق غرض تحويل الأموال بأنه "تحويل من شركة شقيقة Sister Company".

وكشف التحقيق عن سجل محاسبي مُسرب لقوات الدعم السريع يغطي الأشهر الستة الأولى من عام 2023 ويظهر روابط عدة أخرى مع مجموعة "الجنيد" التابعة لحميدتي.

حيث يذكر السجل بأحد الخانات تحويل ما يعادل 50 ألف يورو لدفع مديونية مستحقة على شركة "الجنيد".

وفي خانة أخرى يظهر قيام الدعم السريع بتحويل مبلغ 686 ألف درهم إماراتي (186 ألف دولار) إلى شخص مقابل مشتريات، مع الإشارة لشركة الجنيد في نفس الخانة.

وأظهرت الوثائق وجود شركة أخرى عملت كواجهة لتعاملات الدعم السريع المالية، مع الإمارات، وهي شركة “GSK”، وهي مسجلة في السودان كشركة أنظمة معلومات وأمن تقني، ويتولى منصب مديرها التنفيذي القوني دقلو الشقيق الأصغر لحميدتي.

 

دعم عسكري إماراتي

أظهرت لقطات فيديو أسلحة إماراتية (قذائف حرارية) حصلت عليها قوات الدعم السريع، التي يقودها "حميدتي"، من الإمارات، استولى عليها الجيش السوداني، وفق ما نقلت صحيفة "تليغراف" البريطانية 18 أبريل/نيسان 2023.

يعرض الفيديو صناديق تحتوي على قذائف إنزال جوي حرارية عيار 120 ملم، ذات علامات تشير إلى أنها صُنعت في صربيا عام 2020 وأُرسلت لاحقا إلى الإمارات التي رفضت التعليق.

https://twitter.com/BlazianP/status/1648104973790756865

وتسبب نشر الفيديو في إحراج الإمارات لأنه ظهر في وقت تزعم فيه أنها تسعى للتوسط، إلى جانب مصر، لوقف إطلاق النار بين القوات السودانية المتناحرة.

وقال كاميرون هدسون، وهو ضابط سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية: إن "وساطة الإمارات بات مشكوكا فيها رغم تأكيد واشنطن أن الإمارات شريك في السعي لتحقيق السلام في السودان كجزء من الرباعية الدولية".

وقد نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، 19 إبريل 2023، عن مصادر مطلعة على الاقتتال، أن الانقلابي الليبي خليفة حفتر أرسل دعما عسكريا إلى قائد قوات الدعم السريع ، فيما أرسل الجيش المصري دعما إلى الجيش السوداني الذي يقاتل حميدتي.

قالت: إن "حفتر الذي تسيطر قواته على شرق ليبيا، أرسل على الأقل طائرة واحدة من ليبيا إلى السودان، تنقل إمدادات عسكرية إلى قوات "الدعم السريع" يوم 17 إبريل 2023".

وفي ذلك اليوم قال الجيش السوداني: إن "حميدتي يحشد قوة كبيرة بقاعدة جوية لتأمين هبوط طائرة مساعدات عسكرية من جهات إقليمية".

وألمحت الصحيفة الأمريكية إلى أن هذا دعم إماراتي لحميدتي، مشيرة إلى أن كلا من حفتر وحميدتي تحالفا مع الإمارات، التي ساعدت حفتر عسكريا لمحاربة خصومه السياسيين، كما استأجرت رجال حميدتي للقتال في اليمن.

وسبق أن نشرت منظمة المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ECFR تقريرا للكاتب "جون باتيست غالوبين" يوم 9 يونيو 2020 حول اقتصاد العسكر في السودان والفاعلين الإقليمين وعلاقات القوى المحلية والإقليمية.

حيث أكد التقرير أن الإمارات والسعودية تدعمان حميدتي الزعيم شبه العسكري ليكون حاكم السودان المقبل، لكن الجيش معادٍ له بشدة.

وأوضح التقرير أن الشركات الضخمة التي يسيطر عليها الشق العسكري (الجيش السوداني، جهاز الأمن، والدعم السريع) تمثل تهديدا كبيرا للانتقال الديمقراطي، إلى جانب تدخل بعض الدول التي تدعم أطرفا محددة في الحكومة، خاصة الإمارات.

 

لماذا يدعمه ساويرس؟

كان ملفتا أن رجل الأعمال نجيب ساويرس، رابع أكبر المليارديرات عربيا وفق "فوربس" يقوم بالترويج لكل بيانات الدعم السريع عبر حسابه على تويتر، ويبدو متحسما لحميدتي ضد الجيش السوداني.

حيث دافع الملياردير ساويرس عن دعمه لقوات حميدتي بدعوى أنه يدعم الديمقراطية، بيد أن مراقبين أكدوا أنه يفعل ذلك لأن له مصالح في مناجم تعدين الذهب التي يسيطر عليها حميدتي.

https://twitter.com/NaguibSawiris/status/1648228548862173186

زعم أيضا أنه يدعم حميدتي لأن قوى الإخوان المسلمين هي القوة المتحالفة مع القوات المسلحة.

https://twitter.com/NaguibSawiris/status/1647196142243921923

كما زعم، في تغريده باللغة الإنجليزية، أن قوات الدعم السريع تهدف إلى تسليم السلطة إلى الحكومة المدنية، عكس ما يريد البرهان الذي اتهمته بـ "قصف المدنيين بالطائرات وهو تصعيد خطير وجريمة حرب".

https://twitter.com/NaguibSawiris/status/1647888714306052096

ودفع هذا لجان إلكترونية تابعة لنظام السيسي في مصر لاتهامه بالخيانة وكره بلده مصر، وأنه يقف ضد مصر وأمنها القومي، مطالبين بمحاسبته.

https://twitter.com/eg_saudi/status/1648006015525298177

لكن الصحفي محمود سالم الذي كان على علاقة بساويرس ويكتب في صحف أمريكية، ألمح لوجهة نظر أخرى تتلخص في أن ساويرس يبحث عن مصالحه، ولكنه في الوقت ذاته يفتح قناة اتصال بين حميدتي والمخابرات المصرية فلا يبدو موقف مصر معاديا له وقاصرا على دعم الجيش السوداني ضده.

https://twitter.com/Sandmonkey/status/1648349687194189825

وفي 27 نوفمبر 2018 أعلنت مجموعة لامانشا التي يرأس مجلس إدارتها ساويرس أنها تخطط لشراء المزيد من مناجم الذهب تحت الأرض في أفريقيا، وخصوصا السودان، بحسب وكالة رويترز .

https://twitter.com/allambakheet/status/1647639548438953984