وافق البرلمان يوم الأحد 28 مايو 2023م على تعديلات تشريعية لقانوني "ضريبة الدمغة" و"رسوم تنمية الموارد المالية للدولة"، اللذين أقرتهما بشكل مبدئي الأسبوع الماضي لجنة الخطة والموازنة في المجلس. وشملت الضرائب والرسوم الجديدة عدداً من السلع الغذائية المستوردة على النحو التالي:
- 10 % ضريبة جمركية على أسماك السالمون والجمبري والاستاكوزا والفواكه الطازجة أو المجففة والشوكولاتة والقهوة المحمصة.
- 10 % ضريبة جمركية على عدد من الأجهزة الكهربائية والمنتجات الأخرى كماكينات الحلاقة ومجففات الشعر وأجهزة إعداد القهوة والشاي وسماعات الرأس وساعات اليد.
وفيما يتعلق بالخدمات، فرضت التعديلات عدداً من الضرائب والرسوم، ومنها:
- فرض 100 جنيه مصري أي ما يعادل 3 دولارات تقريباً كرسوم مغادرة للبلاد على الأجانب والمصريين.
- رسوم بقيمة 50 جنيهاً للأجانب القادمين للسياحة في محافظات البحر الأحمر وجنوب سيناء وأسوان ومرسى مطروح.
- رسوم بقيمة 3 % للشراء من الأسواق الحرة وبحد أدنى دولار ونصف.
- ضريبة 10 % من قيمة كل لتر إضافي من المشروبات الكحولية المصرح بها للاستعمال الشخصي، وبحد أدني 12 دولاراً.
- كما فرضت التعديلات ضرائب متفاوتة بين 5 إلى 20 في المئة على خدمات دخول الأفلام الأجنبية وعروض الأوبرا والسيرك، والحفلات العامة في الأندية الرياضية أو الاجتماعية، والحفلات الغنائية ودخول الأندية الليلية، وعروض السيرك الأجنبي والتزلج على الجليد أو ركوب البالون الطائر، وعروض الأسماك والحيوانات ونشاط الغوص وحفلات السفاري.
وفي اليوم التالي (الإثنين 29 مايو 23م)، وافق مجلس النواب الذي تهيمن عليه أجهزة السيسي الأمنية، نهائيا على رفع حد الإعفاء من ضريبة الدخل على الرواتب إلى 36 ألف جنيه (نحو 1163 دولارــ الدولار = 30.95ج) سنوياً بدلاً من 24 ألفاً، وخضوع كل موظف/ عامل للضريبة في حال تقاضيه أكثر من ثلاثة آلاف جنيه شهرياً، أي ما يعادل نحو 97 دولاراً. ورفضت حكومة الانقلاب العسكري، ممثلة بوزير المالية محمد معيط، مطالب بعض النواب برفع حد الإعفاء الضريبي على الدخل إلى أربعة آلاف جنيه شهرياً، بحجة أن ذلك سيؤدي إلى خفض الإيرادات العامة للدولة، متمسكة برفع سعر الضريبة على من يتقاضى مائة ألف جنيه فأكثر شهرياً من 25% إلى 27.5%، من أجل تدبير الأموال التي ستتحملها خزانة الدولة جراء رفع حد الإعفاء، والمقدرة بنحو 10 مليارات جنيه سنوياً!
لماذا كل هذه الضرائب؟
تأتي هذه القوانين برفع نسبة الضرائب والرسوم قبل إقرار مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المقبل (23/24)، والذي يبدا من يوليو المقبل؛ حيث ارتفعت مصاريف مشروع الموازنة الجديدة من نحو تريليوني جنيه في العالم الحالي (22/23)، إلى ثلاثة تريليونات جنيه؛ وذلك نتيجة انخفاض قيمة الجنيه للنصف أمام الدولار الأمريكي وباقي العملات العالمية، فمن أين يأتي الدكتاتور عبدالفتاح السيسي وحكومته بهذا الفارق الضخم (نحو تريليون جنيه)، لمواجهة الزيادة في الإنفاق والمصاريف الحكومية؟
لا يجد السيسي سوى طريقين: الأول هو فرض المزيد من الضرائب والرسوم ورفع أسعار السلع والخدمات الحكومية. والثاني هو التوسع في الاقتراض من البنوك المحلية أو مؤسسات التمويل العالمية وحكومات الدول الغنية. حيث بات من المعلوم بالضرورة أن كل قرار بخفض قيمة الجنيه يتبعه مباشرة عدة قرارات بزيادة مماثلة لقيمة الانخفاض في أسعار السلع والخدمات الحكومية والضرائب والرسوم والإيرادات الحكومية بشكل عام. وتبقى الضرائب هي المورد الرئيس لإيرادات الدولة حيث قفزت حصيلة الضرائب بنسبة 465% خلال 8 سنوات بعد انقلاب يوليو 2013م، بينما تقلص الدعم الموجه للمواطنين بنسبة 6%، وانخفضت قيم الإنفاق الحقيقية على الصحة والتعليم، وفق البيانات الرسمية لموازنة (2022/2023). وتمثل الضرائب 77% من إيرادات الدولة في ميزانية (2022/2023). حيث أنفقت الحكومة نحو 3 تريليونات و66 مليار جنيه، وفقا للموازنة ، بينما الإيرادات لم تتخط 1.51 تريليون جنيه، لتساهم الضرائب المباشرة بنحو تريليون و65 مليار جنيه، والعقارية والجمارك بنحو 133 مليار جنيه، بالإضافة إلى الإتاوات السيادية، التي تحصلها المالية من فائض قناة السويس والمحاجر وقطاع البترول والهيئات العامة والقطاع العام والخدمات الحكومية، بمبلغ 348 مليار جنيه.
وبلغت قيمة مستهدفات الضرائب في موازنة (22/23) نحو (1.168) تريليونا، بزيادة تقدر بنحو 185 مليارا و785 مليون جنيه)، لكن مختار توفيق، رئيس مصلحة الضرائب، كشف عن تحصيل نحو 833 مليارا فقط في موازنة 22/23. وأن وزارة المالية من خلال مصلحة الضرائب والجمارك والضرائب العقارية تستهدف حصيلة تُقدر بنحو تريليون و401 مليار جنيه بمشروع الموازنة الجديدة، وهو ما يتفق مع مشروع الموازنة وتصريحات وزير المالية محمد معيط الذي صرح أمام البرلمان أن المستهدف هو زيادة الحصيلة الضريبية بنحو 31% حسب مشروع الموازنة الجديدة (23/24).
ستة أنواع من الضرائب
ويتحمل الفقراء ومتوسطو الدخل في مصر ستة أنواع من الضرائب المباشرة وغير المباشرة، أبرزها الضريبة على القيمة المضافة المفروضة على أغلب السلع والخدمات بسعر 14%، وضريبة الدخل التي تتدرج ما بين 2.5% إلى 27.5%، وضريبة كسب العمل لأصحاب المهن الحرة، والضرائب الجمركية المقررة على سلع أغلبها غذائية وإنتاجية. في المقابل، تخضع الشخصيات الاعتبارية (المؤسسات) والشركات لنوع واحد من الضرائب على الأرباح الرأسمالية، وذلك بنسبة 22.5% من صافي أرباحها. وتطبق على المحال التجارية والورش الصناعية والشركات الصغيرة والمتوسطة والفردية، والمستوردين والحرفيين.
حرب مسعورة على كل المصريين
وانتهى تحليل أعده مركز كارنيجي ونشر بموقع «open democracy»، في أكتوبر "2020" إلى أن نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي يشن حربا بلا هوادة على الفقراء في المجتمع المصري، وأشار إلى أن التباطؤ الاقتصادي الحالي سبقه زيادات متواصلة بمعدلات الفقر؛ الأمر الذي يتسبب في تفاقم الهشاشة الاجتماعية للمصريين؛ مؤكدا أن السياسات المالية والاقتصادية التي يتبناها نظام السيسي تتسبب في تفاقم معدلات الفقر، وتسرّع بنقل الثروات من الطبقتين الدنيا والوسطى إلى الحكومة ونخب المال والأعمال، متوقعا أن يفضي ذلك إلى نتائج كارثية. وبحسب تحليل مركز كارنيجي فإنه إلى جانب الطبيعة السلطوية للنظام، فإن الدعم الدولي الذي يحصل عليه في شكل تدفقات مالية وقروض يساهم في تعزيز جهوده الآيلة إلى إثراء طبقة النخبة في الأعمال والمؤسسات العسكرية على حساب المواطنين. ويضيف أن حكومة السيسي قد حصلت من حلفائها الإقليميين على دعمٍ مالي قدره 92 مليار دولار بين عامَي 2011 و2019، وتستمر في اقتراض مبالغ طائلة من المؤسسات الدولية. تتيح هذه الأموال للحكومة تنفيذ مشاريع ضخمة والإبقاء على منظومة الضريبة التنازلية التي تلقي العبء الأكبر على الفقراء دون الأغنياء.
التحليل الذي أعده الباحث الاقتصادي ماجد مندور، يعزو أسباب تزايد معدلات الفقر في مصر إلى تبني النظام حزمة من السياسات المالية والاقتصادية تستهدف تسريع نقل الثروات من الطبقتَين الدنيا والوسطى إلى نخب الأعمال وعلى رأسها المؤسسة العسكرية وقادتها التي باتت تحتكر وتتحكم في مفاصل النشاط الاقتصادي بما تحوزه من امتيازات ونفوذ واسع.
تستند هذه السياسة إلى مرتكزات عدّة:
أوّلها أن الحكومة تعتمد بشدّة على القروض، بدلاً من الضرائب، لتمويل عملياتها والمشاريع الضخمة في البنى التحتية. أما الإيرادات الضريبية فتُستخدَم على نحوٍ غير متكافئ في تسديد القروض والفوائد، ما يُفضي إلى نقل الثروات من الطبقتَين الدنيا والوسطى إلى الجهات الدائنة للنظام، الخارجية والداخلية على السواء.
ثانياً، تواصل الحكومة خفض الدعم والإنفاق الاجتماعي.
ثالثاً، يستمر العمل بالضريبة التنازلية التي تلقي بالعبء الضريبي على كاهل الطبقتَين الوسطى والدنيا. (في إشارة إلى عدم تبني فلسفة الضريبة التصاعدية التي تحدد قيمة الضريبة بناء على حجم المكاسب والأرباح وفق معادلة (ترتفع الضريبة كلما ارتفع الدخل وتقل كلما قل الدخل). وفي الوقت نفسه، تستمر الحكومة في العمل على تنفيذ مشاريع ضخمة في البنى التحتية بقيادة الجيش، ما يُشكّل أداةً للاستحواذ على الأموال العامة، لا أداةً لتطبيق برامج الإنفاق الاجتماعي والحد من الفقر. ويسمح هذا بدوره للأعمال والشركات المملوكة من الجيش بأن تزدهر، ما يساهم في تعزيز نفوذ المؤسسة العسكرية وشبكة المحسوبيات التابعة لها. وهذا الدعم الخارجي يحمي الجيش أيضاً من التدقيق العام، ويقترن مع الاعتماد المتزايد على الضرائب باعتبارها مصدراً للإيرادات الحكومية.
وحول انعكاسات تبني نظام السيسي العسكري لهذه السياسات المالية والاقتصادية على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، يتوقع "مندور" أن تفضي هذه المقاربة إلى آثار خطيرة في المدى الطويل تذهب أبعد من الفقر المتزايد والحرمان الاجتماعي الذي يعاني منه المواطن العادي، إذ إنه من المحتّم أن يصبح هذا النظام أكثر قمعاً وسلطوية فيما يستمر في فرض سياساته القاسية. وهذا بدوره سيغذّي صعود المقاومة العنيفة للدولة. وينتهي إلى أن هذه المقاومة حتى وإن لم تتبلور إلى إطار حركة سياسية متماسكة، فلا بد من أن يتفاقم مستوى العنف الاجتماعي، ما يفضي إلى تداعيات مزعزعة للاستقرار في المدى الطويل. فضلاً عن ذلك، يؤدّي توسّع الأعمال والشركات المملوكة من الجيش إلى زيادة الضغوط على القطاع الخاص الاقتصادي فيما يسعى جاهداً للتنافس مع العملاق العسكري. وسوف تكون لهذا الأمر تأثيرات بنيوية طويلة الأمد على الاقتصاد والمنظومة السياسية، وهي تأثيرات يصعب العودة عن مفاعيلها وسوف تستمر على الأرجح إلى ما بعد السيسي ونظامه.