مع تراجع الجنيه بصفة مستمرة أمام الدولار والعملات الأجنبية في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبد الفتاح السيسي، وما تسبب فيه ذلك من خسائر كبيرة للمصريين الذين يمتلكون بعض المدخرات، اضطر أصحاب هذه المدخرات إلى الابتعاد عن الجنيه وتحويل أموالهم إما إلى دولارات لو أمكنهم ذلك، أو شراء ذهب وسبائك أو شراء عقارات ووحدات سكنية .
ويرى المصريون أنه لم يعد أمامهم حلول أخرى في ظل التراجع المهين للجنيه المصري والذي فقد أكثر من 70% من قيمته منذ يناير الماضي، مؤكدين أن عصابة العسكر تسرق أموالهم بطريق غير مباشر عن طريق تخفيض قيمة الجنيه .
خسائر كبيرة
حول هذه الأزمة قال مواطن (أ.ج) يبلغ من العمر 30 عاما: إنه "اتجه إلى شراء الدولار من أجل الحفاظ على مدخراته، مؤكدا أنه مع تراجع قيمة الجنيه تعرض لخسائر كبيرة".
وأضاف، يتوافر الدولار بشكل رئيسي لدى أقارب العاملين بالخارج ويبقى مخزنا للقيمة أمام تزايد الأسعار بشكل شبه يومي.
وقال المواطن (س ف) إنه "اختار حفظ مدخراته من خلال شراء أي بضائع يسعى المحيطون به إلى بيعها، لا سيما المشغولات الذهبية أو بعض السلع والمنتجات المعمرة كحديد التسليح والسيارات والأجهزة الكهربائية وغيرها، بعد أن بات سعر تلك المنتجات يقفز بشكل غير مسبوق على مدار الساعة".
وأكد أن الاحتفاظ بالجنيه لم يعد مجديا في الوقت الراهن، لأن الجنيه يخسر كثيرا من قيمته يوميا أمام أرقام التضخم السريعة الارتفاع، مشيرا إلى أن الرقابة على الأسواق من جانب حكومة الانقلاب تبدو معدومة، وهو ما يجعل المواطنين يقعون تحت وطأة جشع التجار، ولذلك يحاولون حفظ مدخراتهم في شكل سلع ومنتجات.
تعلمت الدرس
ويروي "أحمد. ف" موظف تجربته في حماية نفسه من التراجع الكبير في قيمة الجنيه، وقال : "لم أكن أهتم بسعر الصرف ولا القرارات الاقتصادية التي تتخذها دولة العسكر، لكني تعلمت الدرس من تحريك أسعار الصرف عام 2016 واستشعرت منتصف عام 2021 اتجاه حكومة الانقلاب لخفض قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، فقررت في أكتوبر 2021 الاحتفاظ بمبلغ من الدولار الأمريكي حُوّل إليّ من الخارج.
وأكد أنه خلال أقل من عام تضاعفت قيمة الدولار الواحد 100 في المئة بالسوق الرسمية ليرتفع من 15.65 جنيها إلى 30 جنيها بخلاف السوق السوداء التي قفز فيها السعر 150 في المئة .
وأشار إلى أنه اتجه إلى شراء السبائك الذهبية الصغيرة خمسة و10 جرامات بنهاية عام 2022 التي تضاعف سعرها بنسبة 30 في المئة حاليا .
العقارات
وقال المثمن العقاري أيمن سكر: إن "العقار كان حتى فترة قريبة هو الملاذ الأهم لحفظ الأموال، وأخيرا لم يعد كذلك بسبب ارتفاع أسعار مواد البناء خلاف القفزات التي حققها الذهب والدولار في حفظ قيمة الأموال".
وكشف سكر في تصريحات صحفية أن هناك حمّى لدى المصريين للتخلص من الجنيه، وهي كارثة كبرى ستؤدي في لحظة ما إلى انهيار العملة الوطنية، مؤكدا أن الكثيرين توجهوا إلى شراء عقارات بالتقسيط بشكل يضمن الحفاظ على قيمة أموالهم مستقبلا، ولا يكلفهم التعاقد سوى سداد مقدم خمسة في المئة من قيمة الوحدة.
وأشار إلى أن هذه الحيلة قام بها كثيرون للاستفادة من تراجع قيمة الجنيه إذ تصبح أقساط الوحدة التي تسدد بالجنيه على المدى البعيد لا قيمة لها، لافتا إلى أن مبيعات العقارات التي تعتمد في جزء كبير منها على أشخاص باعوا الذهب والدولار الذي بحوزتهم بهدف شراء عقار تراجعت أخيرا.
وأرجع سكر السبب في ذلك إلى فقدان الثقة في المطورين العقاريين لتسليم المشاريع المباعة، وللصعود الكبير في قيمة الذهب وقيمة الدولار مقارنة بالعقارات، وحرص المواطنين على الاحتفاظ بمدخراتهم فى شكل دولار وذهب باعتبارهما حصانا رابحا وأكثر أمانا في وسط الأخطار التي تسبب فيها التضخم، إلى جانب سهولة التصرف فيهما .
الذهب
وأكد المتخصص في ملف أسواق الذهب وليد فاروق أن المصريين باتوا غير واثقين في استقرار العملة المحلية، مما دفعهم إلى البحث عن بديل يحفظ قيمة العملة، موضحا أنهم اختاروا الذهب لأسباب عدة، أبرزها سهولة وقانونية الحصول عليه وحيازته بخلاف الدولار أو العملات الأخرى، إلى جانب وجود تسعير واضح للذهب حتى في ذروة الارتفاع السعري، بخلاف العملات التي يتم التعامل فيها في السوق السوداء ولا ضابط يحدد تسعيرها .
وقال فاروق في تصريحات صحفية: إن "الذهب اجتذب الأفراد أصحاب المدخرات من 50 إلى 500 ألف جنيه وبشكل عام أصحاب المدخرات الأقل من مليون جنيه، مشيرا إلى أن العقارات كانت جاذبة لمن يملك مبالغ أكبر من ذلك ولديه القدرة على سداد أقساط أخرى خلال الفترة المقبلة".
تداعيات وخيمة
وحذر الدكتور علي الإدريسي أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للنقل البحري من أن المصريين بدأوا تدريجيا يفقدون الثقة في الجنيه المصري، نتيجة الارتفاعات المتتالية في معدلات التضخم وتراجع القوى الشرائية لأموالهم .
وقال الإدريسي في تصريحات صحفية: إن "المواطنين اضطروا إلى اللجوء إلى الملاذات الآمنة، ممثلة في الذهب والعملات الأجنبية والعقارات، وهو أمر ينذر بمزيد من التدهور للاقتصاد الوطني".
وأكد أن هناك تداعيات وخيمة لمثل هذا التوجه إذ من شأنه أن يزيد معدلات الفقر والبطالة ونسب التضخم، وسيكون المشهد مظلما، موضحا أن مثل هذه التحركات لا تخلق قيمة مضافة للاقتصاد المصري على صعيد الإنتاج والتصنيع .
وطالب الإدريسي دولة العسكر بأن تتحرك بسرعة تجاه إعادة الثقة مرة أخرى في الاستثمار والإنتاج ومواجهة الممارسات الاحتكارية التي طالت كل القطاعات، مستنكرا تعدد سعر صرف العملية المحلية وتباينها من مكان إلى آخر، إذ يختلف سعر دولار الذهب عن سعر دولار السوق السوداء عن سعر صرف دولار البنوك الرسمية عن سعر صرف بعض المنتجات الأخرى مثل الحديد والأسمنت والسيارات وغيرها، مما يصعّب المهمة أمام أي مستثمر محلي أو أجنبي لدخول السوق المصرية.
وتساءل، كيف يحسب المستثمر المحلي أو الأجنبي سعر صرف الدولار في مشروعه؟.