لجنة العفو بالأرقام.. الإفراج عن 1151 واعتقال 3666 منذ إطلاق الحوار الوطني

- ‎فيتقارير

 قالت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، إنها رصدت منذ إطلاق الحوار الوطني اعتقال “3666” مصريا  وإحالتهم للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا، منذ نهاية إبريل 2022م وحتى 12 يونيو 2023م مقابل إخلاء سبيل 1006 معتقلا بقرارات من نيابة أمن الدولة العليا، إلى جانب “145” محبوسا  تم إخلاء سبيلهم أمام دوائر الإرهاب وبقرارات من المحاكم. وأضافت الجبهة إن الذين جرى اعتقالهم خلال هذه الفترة تم حبسهم في قضايا وفق قانون الإرهاب.

وكان الدكتاتور عبدالفتاح السيسي قد أطلق في 26 إبريل 2022م أثناء حفل إفطار الأسرة المصرية  دعوته للحوار الوطني، وقرر إعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي لبحث ملفات المحبوسين احتياطيا تمهيدا لإصدار قرارات بإخلاء سبيلهم.

وفي مارس 2023م، قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات المصرية أفرجت خلال الشهور الماضية عن نحو 895 شخصا كانوا محتجزين لأسباب سياسية، لكنها في ذات الوقت اعتقلت ثلاثة أضعاف المفرج عنهم. وأضافت في التقرير السنوي عن أوضاع حقوق الإنسان في العالم إن السلطات المصرية تواصل قمع الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي. وفي يناير 2023م، رصدت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، تواضع أعداد إخلاءات السبيل في القضايا السياسية المعلن عنها من لجنة العفو والنيابة المصرية، في مقابل زيادة مضطردة في أعداد المقبوض عليهم في قضايا أمن دولة بلغت أكثر من ضعفي أعداد المخلى سبيلهم في نفس الفترة، بعد أكثر من 8 شهور على إعادة تفعيل لجنة العفو. وبعد ثلاثة أشهر من إعلان الحوار الوطني في إبريل 2022م، وتشكيل ما تسمى بلجنة العفو الرئاسي وصلت نسبة المفرج عنهم 2.4%  فقط من قائمة العفو التي تقدمت بها قوى سياسية علمانية ومنظمات مجتمع مدني مقربة منها في مايو 2022م.

واعتبر كثيرون التوجيه بإعادة تشكيل  وتفعيل «لجنة العفو الرئاسي عن السجناء» هو الإجراء  العملي الأكثر وضوحا في حديث السيسي وهو الملف الذي يحظى باهتمام كبير من أجل الحد من الظلم الواقع على عشرات الآلاف من المعتقلين ظلما وعدوانا منذ سنوات. وكانت لجنة العفو الرئاسي بتشكيلها الأول أحد مخرجات المؤتمر الوطني للشباب الذي عقد في مدينة شرم الشيخ في أكتوبر 2016م؛ وضمت خمسة أعضاء هم الدكتور أسامة الغزالى حرب، ونشوى الحوفى، ومحمد عبدالعزيز، والنائب طارق الخولى، وكريم السقا.  وكُلّفت اللجنة الخماسية بمراجعة كل ملفات وقضايا المحبوسين احتياطياً من السياسيين، إذا ما كانوا غير متورطين في أعمال عنف، ليتم الإفراج عنهم بقرار من رئيس الجمهورية، وفقاً لما كفله له الدستور في المادة 155، التي تنص على أن “لرئيس الجمهورية بعد أخذ رأي مجلس الوزراء العفو عن العقوبة، أو تخفيفها. ولا يكون العفو الشامل إلا بقانون يُقرّ بموافقة غالبية أعضاء مجلس النواب”.

قوائم العفو عن محبوسين (جنائيين على وجه التحديد) هي سنة يجري العمل بها في مصر منذ عقود، وتشرف عليها الأجهزة الأمنية من الألف إلى الياء، والهدف منها تعزيز نفوذ قيادات الأجهزة الأمنية والمخابراتية بما تتضمنه من مجاملات ومحسوبيات وتوزيع نفوذ على مختلف الأجهزة. وفي أعقاب انقلاب 03 يوليو 2013م، واعتقال عشرات الآلاف من الرافضين للانقلاب،  ثم اعتقال آلاف المعارضين لحظر التظاهر،  شرع السيسي في إصدار قوائم عفو بالتزامن مع الاحتفالات  والمناسبات القومية والدينية مثل (ذكرى انتصار أكتوبر ـ عيد الشرطة ــ 23 يوليو ــ 30 يونيو ــ عيد الفطر ــ عيد الأضحى وغيرها). وقد عفا السيسي عن آلاف السجناء الجنائيين في سنوات الانقلاب الأولى من أجل إخلاء أماكن للمعتقلين السياسيين،  وقد رصدت صحيفة “اليوم السابع” في تقرير لها سنة 2019م  قوائم العفو التي أصدرها بأعداد المعفو عنهم. ومع تزايد أعداد المعتقلين من كل القوى السياسية الإسلامية والعلمانية في أعقاب التنازل عن تيران وصنافير في إبريل 2016م، احتاج السيسي إلى تخفيف الاحتقان مع القوى العلمانية بابتداع لجنة العفو عن  السجناء كتوصية لأحد مؤتمرات الشباب لمنحه أهمية في ظل الانتقادات الموجهة لهذه المؤتمرات باعتبارها شكلية بلا جدوى حقيقية.

ومن أبرز الشخصيات المثيرة للجدل والتي تم العفو عنها ضمن هذه القوائم، سواء تلك التي تعدها أجهزة النظام أو لجنة العفو ، صبري نخنوخ، وهو أكبر بلطجي في مصر، يقود تشكيلات عصابية منظمة تمارس جميع أشكال البلطجة. تم القبض عليه في أغسطس 2012م داخل فيلته بمنطقة كينج مريوط بالإسكندرية، وكان بصحبته عدد كبير من الخارجين عن القانون، وبحوزتهم كمية من الأسلحة، وتمكنت القوات من السيطرة عليهم والقبض عليهم جميعا. وقضت محكمة الجنايات، في 9 مايو 2013 بمعاقبة “نخنوخ”، بالسجن المؤبد وتغريمه 10 آلاف جنيه عن تهم إحراز السلاح الآلي والأسلحة النارية، والسجن المشدد 3 سنوات وتغريمه 10 آلاف جنيه عن حيازة وتعاطي المخدرات، وبرأته من حيازته طبنجة ماركة “سميث”. ورفضت محكمة النقض، في 3 نوفمبر 2014، الطعن المقدم منه على حكم محكمة الجنايات الصادر بمعاقبته بالسجن 28 عامًا في اتهامه “بحيازة أسلحة نارية دون ترخيص والبلطجة” وحيازة وتعاطي المخدرات، وبذلك بات حكم النقض نهائي وبات. لكن السيسي عفا عنه ضمن قائمة العفو التي ضمت نحو 330 سجينا في مايو 2018م، رغم أنه محكوم عليه حكما باتا بالمؤبد 28 سنة.

ويُعتقد في كل الأحوال أن لجنة العفو الرئاسي بتشكيلها الجديد تتبع جهازا أمنيا نافذا (الأمن الوطني)، ما يفسر على أنها نتاج تضارب في الرؤى بين الأجهزة الأمنية والسيادية بشأن طريقة التعامل مع ملف المعتقلين الشائك؟ خصوصا أن نظام يوليو 2013، يحمل في بنيته بذور اللامركزية الأمنية، اعترافاً منه بدور تلك الأجهزة في إفشال، ومن ثم الانقلاب على سلفه الراحل محمد مرسي، وظهر ذلك واضحاً في الانتخابات البرلمانية التي جرت هندستها على طريقة نظام حسني مبارك.

وحسب محللين، لو كان الهدف من اللجنة إيجاد الحلول وتصحيح الأوضاع، والعمل على رد المظالم وإحقاق العدالة وتعويض الضحايا، فهذا لا يتأتى بلجنة عُرفية يجري إنشاؤها بوعد مباشر من السيسي، والسماح لها بتجميع البيانات، ودعوة المواطنين إلى التعاطي معها بديلا عن الطرق المشروعة. وهو ما اعترض عليه الفقيه القانوني، نور فرحات، بالقول: “أن يطول الحبس سنوات، ثم يفرج عن المتهم، بتوصيةٍ من لجنة مشكلة رئاسياً، يعني أن سلطة التحقيق قد حبست الناس من دون مقتضى، ثم أفرجت عنهم بإيعاز من لجنة غير قضائية”. وهناك شبه إجماع بين فقهاء القانون والقضاء على أن إنشاء لجنة عرفية لحل أزمة ملف المعتقلين السياسيين، بديلا عن الطرق القانونية، هي شهادة وفاة جديدة لدولة القانون، وتأكيد آخر على ملامح دولة الاستبداد التي تنزع كل ما هو قانوني، وترسخ كل ما هو فوضوي ارتجالي على هوى الحاكم أو الديكتاتور الأوحد.