الحرب وحملة الاضطهاد والدعاية السوداء بحق جماعة الإخوان المسلمين، وشيطنة الجماعة نفسها كيان اعتباري ورموزها وعناصرها كرموز دينية واجتماعية وعلمية واقتصادية مشهود له بالاستقامة والعدالة هي حملة ممتدة منذ عقود وبالتحديد منذ حكومات الأقلية في العهد الملكي في أعقاب الحرب العالمية الثانية (1939 ـ1945) تحت الاحتلال الإنجليزي؛ السبب وراء ذلك أن الجماعة كانت تريد ثلاثة أمور:
- الأول، تحكيم الشريعة الإسلامية كمرجعية عليا للبلاد والاحتكام إليها حال التنازع والالتزام بما تنطوي عليه من مبادئ عليا كالعدل والشورى والحرية والمساواة أمام القانون، كذلك بوصفها هوية البلاد منذ 1400 سنة والتي تدين الغالبية الساحقة من المصريين بها (نحو 95% من المصريين يدينون بالإسلام).
- الثاني، هو تحرير البلاد من كل مظاهر السلطان والاحتلال الأجنبي وسيادة الأجانب على البلاد، وقد كانت مصر محتلة منذ 1882م من الإنجليز.
- الثالث، هو إقامة دولة إسلامية عالمية على غرار الخلافة الإسلامية الأولى (الخلافة الراشدة) وليس على غرار الخلافة العثمانية التي أسقطها الصليبيون في تركيا بقرار من مصطفى كمال أتاتورك في 3 مارس 1924 (27 رجب 1342 هـ) بمرسوم من الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا. فالإخوان وإن دافعوا عن السلطنة العثمانية والسلطان العثماني إلا أنهم كانوا يريدون الخلافة الجامعة للمسلمين في عنفوان قوتها ومجدها وليس في مرحلة الأفول والغروب كما كانت السلطنة العثمانية في أواخر أيامها. والفرق بينهما كبير فالخلافة الراشدة تقوم على الشورى والسلطنة العثمانية تقوم على التوريث، والراشدة تقوم على وحدة الأمة والعثمانية تقوم على تمييز الجنس التركي عن غيره وانفراده بالسلطة والقرار.
الإنجليز من جانبهم كانوا ولا يزالون يرفضون ذلك جملة وتفصيلا؛ فهم في حالة صدام أيديولوجي وسياسي مع هذه الأهداف الثلاثة فهم لا يريدون إحياء الروح الإسلامية وتحكيم الشريعة، ولا يريدون لمصر أن تتحرر ؛ لأن ذلك سيقضي على مصالحهم واستغلالهم لثروات بلادنا، وبالطبع هم ضد إعادة الإمبراطورية الإسلامية الجامعة لأن ذلك سيكون على أنقاض إمبراطوريتهم العدوانية. فأمر الإنجليز صبيانهم وعملاءهم في القصر الملكي والحكومة باتخاذ موقف عدائي صريح من الجماعة.
من جانب آخر فإن صعود الجماعة شعبيا على نحو كبير خلال مرحلة الثلاثينات ثم الأربعينات من القرن العشرين، ملأ نفوس النخبة الحزبية والحاكمة بركام من الكراهية والبغضاء تجاه الجماعة لأن جل هذه النخبة كانت علمانية ترفض حكم الإسلام من جهة الأيديولوجيا، وكانوا في حالة اتفاق مع الاحتلال للعمل تحت رايته والتسليم بوجوده باعتباره قدرا مقضيا لا يمكن تغييره أو زحزحته من جهة أخرى؛ فقد كان الإنجليز هم الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس في ذلك الحين كما كان الإنجليز يحبون أن يطلقوا على إمبراطوريتهم. وكان وضع الملك والأحزاب المصرية في هذه الفترة أشبه بحالة السلطة الفلسطينية حاليا تحت الاحتلال الصهيوني؛ فالهدف من وجودها هو حماية الاحتلال نفسه وضمان بقائه لضمان بقاء مصالح هذه الأحزاب وأطماعها في السلطة والحكم؛ لذلك كان يستحيل الجمع بين النقيضين روح المقاومة والوطنية المشتعلة في الإخوان وقليل من الحركات والأحزاب الوطنية الأخرى من جهة، وروح الإذعان والتسليم بالاحتلال الممثلة في الأحزاب التي كانت قائمة من جهة أخرى.
ولما تم الإعلان عن الكيان الصهيوني في 15 مايو 1948م، هب الإخوان المسلمون لنصرة إخوانهم؛ فقد كانت هذه القضية اختبارا حقيقيا لشعار يرفعه الإخوان على الدوام منذ نشأة الجماعة على يد الإمام الشهيد حسن البنا في محافظة الإسماعيلية في 22 مارس 1928م. وهو شعار «الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا»؛ وتصدرت الجماعة مشهد الدعوة للجهاد بما وضع الحكام والسلاطين في موقف محرج، وأعدت الجماعة كتائبها للجهاد وأرسلت بهم تحت قيادة ابن الجماعة الضابط أحمد عبدالعزيز، في مقدمة المواجهات وكان دورهم بطوليا بامتياز حيث أبهروا القادة والضباط على نحو مذهل؛ لروحهم العالية الوثابة، وتدريبهم العالي، وخفة حركتهم كرا وفرا وفقا لمقتضيات الاشتباك، فكان الإخوان يحررون ليلا المناطق والحصون والقرى التي يفقدها الجيش المصري نهارا؛ الأمر الذي أرعب الإنجليز والأجانب فقرروا ضرورة القضاء على الجماعة وسحق تلك الروح الجهادية التي إن سارت في الأمة أعادت لها مجدها ولم يعد للإنجليز والصليبيين قدرة على مواجهة هؤلاء المجاهدين الذين يشبهون جيل أصحاب محمد (r) الأوائل.
في هذه الأثناء حين تتخذ حكومة الأقلية برئاسة محمود فهمي النقراشي باشا قرارا بحل الجماعة في 8 ديسمبر 1948م، ومصادرة كل مؤسساتها، والاستيلاء على أملاكها، وحظر كل نشاطاتها، ومنع أي تجمعات لأفرادها والمنتمين إليها؛ فكل خمسة منهم ضمهم مجلس، فقد خالفوا القانون، واستحقوا العقاب؛ وترتب على هذا الحل في ظل الأحكام العرفية – أن صدرت أوامر الحاكم العسكري العام "النقراشي باشا" باعتقال عدد كبير من الإخوان في القاهرة ومختلف المديريات؛ فإن هذا القرار في جوهره هو إعلان حرب على مصر وشعبها والأمة العربية والإسلامية لأنه يمثل ضربة لتحالف المقاومة ضد المشروع الصهيوني، ويمثل في جوهره تعزيزا لموقف الصهاينة وضمان بقاء كيانهم اللقيط. اتضح لاحقا أن القرار كان ترجمة حرفية لأوامر الاحتلال الإنجليزي الذي كان يحكم مصر بالفعل.
فسر الإمام البنا قرار حكومة النقراشي ــ حسب كتاب الإخوان المسلمون والمجتمع المصري ــ بأنه ترجمة حرفية «لرغبة الحكومات العربية في إنهاء قضية فلسطين، وعلى غير ما تريد الشعوب». فضرب الإخوان هنا في مصر هدفه حماية المشروع الصهيوني وحماية النفوذ والمصالح الغربية الصليبية في مصر والمنطقة. ومن أسباب القرار أيضا حسب الإمام البنا الضغط الأجنبي؛ فقد أقر وكيل وزارة الداخلية عبدالرحمن عمارة نفسه للمرشد العام بأن مذكرة قدمت إلى النقراشي باشا من سفير بريطانيا وسفير فرنسا ، والقائم بأعمال سفارة أمريكا ، بعد أن اجتمعوا في فايد في 6 من ديسمبر 1948 م يطلبون فيها المبادرة بحل الإخوان المسلمين ، وذلك بالطبع طلب طبيعي ، من ممثلي الدول الاستعمارية ، الذين يرون في الإخوان المسلمين أكبر عقبة أمام امتداد أطماعهم ونشعبها في واد النيل وفي بلاد العرب ، وأوطان الإسلام. وقد طلب الاحتلال من النحاس باشا في سنة 1942م والحرب العالمية على أشدها ، والألمان على الأبواب: حل الإخوان المسلمين ، وتعطيل نشاطهم ، فأبى أن يجيبهم إلى ذلك ، واكتفى بإغلاق الشعب كلها مع بقاء المركز العام إلى حين. الفرق بين موقف النحاس وموقف النقراشي هو بالضبط الفرق بين حكومة منتخبة بإرادة شعبية وأخرى تغتصب السلطة بالإذعان للأجانب؛ رفض النحاس لأنه منتخب وأذعن النقراشي لأنه مغتصب ويعلم أن بقاءه على كرسي الحكومة مرهون بمدى رضا الاحتلال عنه.
فطن الإنجليز لهذه المقابلة جيدا؛ فقرروا أن تكون معادلة الحكم في مصر بعد انسحابهم المرتب هي أن تبقى على الدوام تحت حكم أقلية استبدادية تسحق المجتمع وتهمش الإسلام وتضع الأولوية لبقائها على رأس السلطة بحماية المصالح الغربية الصليبية على الدوام. وفطنوا أن كل الأحزاب الموجودة لن تفي بهذا الغرض لكنه الجيش وحده قادر على ذلك؛ فلتكن مصر تحت حكم عسكري استبدادي يستنزف المجتمع والدولة، ويحمي مصالح القاعدة العسكرية الصليبية في المنطقة (إسرائيل)، التي يعتمد عليها الصليبيون في تقسيم المنطقة العربية واستنزافها على الدوام؛ فلولا الغرب الصليبي ما قامت "إسرائيل"، ولولا الدعم الغربي الصليبي ما بقيت إسرائيل يوما واحدا.
هذا يفسر لنا أسباب عدم تدخل الاحتلال الإنجليزي لمنع الانقلاب العسكري على الملك في 23 يوليو 1952م؛ فهل كان الإنجليز لا يعرفون بهذا التحرك الصغير داخل الجيش وهم يرصدون كل شيء؟ لماذا سمحوا بنجاحه إذا وهم قادرون على وقفه؟ ولماذا لم يوقفوه؟ الإجابة الواضحة والمنطقية أن انقلاب يوليو 52 كان بتدبير إنجليزي كامل لوضع قواعد جديدة لنظام حكم استبدادي في بلادنا لتبقى على الدوام ذليلة تابعة ضعيفة وبلا هوية. ومن أجل ضمان أمن "إسرائيل"، وحماية المصالح الغربية الصليبية يجب أن يتم تهميش الإسلام وسحق المؤمنين به دينا ودولة، وفرض العلمانية على المجتمعات المسلمة بأدوات البطش والإرهاب، والحيلولة دون قيام دولة إسلامية جامعة على غرار الخلافة الإسلامية التي تضم كل المسلمين في العالم في كيان عالمي على غرار الإتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية.
لكل هذه الأسباب تستمر الحرب على الإخوان والمجتمعات العربية والإسلامية وكل الشعوب، ما بقيت إسرائيل خنجرا في المنطقة يوظفه الغرب الصليبي لتمزيقنا وحماية مصالحه ونفوذه. ولكي تبقى إسرائيل وتبقى مصالح الغرب يجب أن يهمش الإسلام ويسحق الإخوان وكل من على شاكلة الإخوان ويلغي من قاموس المنطقة معنى الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وحق الشعوب في اختيار حكامها. فأنصار هذه المبادئ يسحقون على يد الحكام الطغاة المدعومين من الغرب الصليبي الذي يرفع هذه الشعارات ليل نهار!