انتشرت على مواقع السوشيال ميديا مقاطع فيديو تعرض زحاما لمواطنين مصريين أمام أحد منافذ بيع السجائر بمنطقة باب البحر بوسط القاهرة، في ظل أزمة ارتفاع شديد لأسعارها، وسط استنكار شديد من مراقبين وعلماء نفس وأطباء متخصصين في الأمراض التنفسية والصدرية، وفوق كل ذلك طفا إلى السطح مقولة " الإخوان كانوا هيغيروا هوية مصر" .
واتضح الرابط بين الثلاثة التي تبدو متنافرة بعيدة كل البعد عن بعضها، عندما مررت المخابرات عبر أذرعها الإعلامية في العام 2012 الذي حكم فيه الرئيس الشهيد محمد مرسي، بأن "الإخوان كانوا هيغيروا هوية مصر" وهو ما ثبت كذبه وعبثيته، والحقيقة أن الذي يجرّف هوية المصريين ويجعلهم عبيدا في صفوف السجائر بهذا الشكل المهين هو الانقلاب ذاته.
يقول أحد النشطاء على حسابه في موقع تويتر : "هوية مصر اللي حافظ عليها صنم الانقلاب وزبانيته عرفتوا شكل الهوية ، فين رجال الدين من أي ملة يفسروا سلوك هؤلاء؟ فين بني علمان فين أي إنسان له بقية من إنسانية؟".
وتقول الناشطة هيام محمود: " ف ٢٠١٢ لما باسم عودة زود السلع التموينية للمواطنين في شهر رمضان، محمود سعد شاف إن دي إهانه في حق المصريين، عمرك شوفت سفالة قبل كده؟".
وتقول الناشطة إيمان: "مُلاك الشركة المتحدة للتبغ، هم مستثمرون إماراتيون ولهم باع طويل في مجال تصنيع وتوزيع السجائر في العالم كله، طلعت إماراتيه وأخذت التوكيل وبتعطش السوق".
ولعل من المناسب -إذا كان الشيء بالشيء يذكر- أن نشير هنا إلى الجهود التي تبذلها الحكومة الفيدرالية الأميركية والحكومات المحلية للولايات المتحدة لكبح جماح التدخين في المجتمع الأميركي وخاصة بين القاصرين وصغار السن، فأمس الأول أبرمت أربعون ولاية أميركية اتفاقا مع شركات التبغ جاء بعد مفاوضات عسيرة، ويلزم هذا الاتفاق الشركات بدفع حوالي 370 بليون دولار، أي 370 ألف مليون دولار غرامة وتعويضا عن قضايا مرفوعة ضدها منذ أمد.
ومن أجل مساعدة المجتمع في التخلص من الأضرار التي ألحقتها به شركات التبغ، وهذا الاتفاق يعتبر تطورا إيجابيا، ينبغي لبقية دول العالم أن تحذو حذوه لتحمي صغارها وكبارها، على حد سواء، لكن الملفت للنظر في الاتفاق الأميركي مع شركات التبغ أنه لم يتطرق إلى بقية أنحاء العالم، وتنقصه النظرة العالمية مع العلم أن الجانب الأكبر من دخل شركات التبغ الأميركية يأتي من دول أخرى خارج الولايات المتحدة.
غير أن الاتفاق، في حد ذاته، يجب أن يكون قدوة لبقية الدول، وخاصة الدول العربية والإسلامية إذ إن شريعتنا الغراء سبقت كل الشرائع الأخرى في تحديد موقف صارم وواضح من كل ما يضر بالفرد والمجتمع حين رسّخت قاعدة "لا ضرر ولا ضرار".
وتنفق كثير من الدول آلاف الملايين من عُملتها النقدية ثمنا للتبغ وتكاليف استيراده، كما تنفق الملايين في علاج المصابين بأمراض مختلفة، فمثلا في الولايات المتحدة الأمريكية يُنفِق الشعب الأمريكي على التدخين ما قيمته ستين بليون دولار سنويا.
ويقول تقرير الكلية الملكية للأطباء: إن "خمسين مليون يوم عمل تضيع في كل عام؛ نتيجة لتغيب العمال بسبب الأمراض الناتجة عن التدخين، وأنفقت دولة عربية إسلامية ما قيمته تقريبا 1215مليون دولار، ولعلها تنفق مثل ذلك أو ضعفه في علاج المصابين بأمراضه في أجسامهم وعقولهم؛ نتيجة تعاطيه وعلى أجهزة مكافحته بالوسائل المختلفة".
وفي ذلة لسان ولعلها مغرفة لما في القلب، صرح السيسي في بداية انقلابه في العام 2013 في ثنايا كلمته بالعامية المصرية: "لأن ده أمر ميرضيش ربنا، ده أمر ميرضيش ربنا، واللي ميرضيش ربنا إحنا حنبقى موجودين معاه ، بندعمه ، بنؤيده" .
السيسي الذي يلتذذ بمعاناة المصريين من أي نوع، حتى ولو كان طابورا لشراء السجائر، لا يخفي ضيقه بالإسلام وتعاليمه التي تحافظ على الإنسان وصحته ولو من زاوية أخلاقية وصحية واقتصادية، فهو تلميذ المخابرات الأمريكية، التي لم يتأخر أحد أفرادها وهو الجنرال "مايكل فلين" الذي كان مسؤولا عن المخابرات العسكرية الأمريكية ثم مستشارا للأمن القومي السابق للرئيس الأمريكي ترامب، وهاجم الإسلام باعتباره سرطانا وأنه فكر سياسي مستتر خلف الدين.
وهاجم "مايكل فلين" نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وتمت إحالته لاحقا ليس لهذا التعدي على دين الله ونبيه ولكن لاتهامه بالكذب وصلاته الخفية بالروس، هذا الرجل يفتخر بأن السيسي عمل معه أثناء تنصيبه في المخابرات الأمريكية، وتحدث عن صداقته ومعرفته الجيدة به، وقال في مؤتمر عام: إن "من الواجب أن نصنع للسيسي تمثالا".
ويلتقط السيسي الإشارة ليدلي برأيه الشخصي – متجاوبا مع أستاذه – حول الإسلام والمسلمين في مؤتمر بالأزهر، تحت غطاء تصحيح الأفكار الخاطئة ليهاجم الدين كله وكل المسلمين في العالم بالحديث عن وجود نصوص دينية مقدسة تعادي الدنيا كلها، ويقول بالعامية المصرية "مش معقول أن مليار وستمائة مليون عايزين يقتلوا الدنيا كلها".