بعد تقرير الفاو.. لماذا ترتفع أسعار الغذاء في مصر رغم انخفاضها عالميا؟

- ‎فيتقارير

لا تزال أسعار الغذاء في مصر تواصل  الارتفاع الجنوني رغم انخفاضها عالميا  وفقا لتقرير منظمة الأغذية والرزاعة العالمية "فاو" عن تراجع أسعار الغذاء عالميا خلال شهر أغسطس الماضي "2023"م. وحسب تقرير الفاو الصادر الجمعة 8 سبتمبر 2023م،  فإن أسعار السلع الغذائية عادت إلى ماكانت عليه قبل الحرب الروسية الأوكرانية باستناء الأرز والسكر. وقالت إن مؤشر أسعار الغذاء خلال أغسطس وصل إلى أدنى مستوى له في عامين، وقالت إن انخفاض معظم السلع الغذائية طغى على الزيادات في أسعار الأرز والسكر.

انخفاض أسعار منتجات الألبان والزيوت النباتية واللحوم والحبوب على مؤشر "الفاو"، قابله ارتفاع كبير في مصر، وهو ما أثار تساؤلات حول عدم تأثرها بانخفاض الأسعار عالميا.

 

قفزات التضخم

القفزات في أسعار السلع الغذائية وغير الغذائية يصيب المصريين بالرعب والصدمة؛ خاصة بعد أن سجلت أسعار بعض السلع زيادات قدرها 200% مثل اللحوم الحمراء والبيضاء، وطبق بيض المائدة الذي ارتفع من 45 جنيها عام 2022 إلى 145 جنيها، (نحو 5 دولارات). وضمن قائمة الارتفاعات، قفزت أسعار اللحوم والدواجن 97% والخضروات 98.4% والمواد الغذائية بنسبة 71.9% في أغسطس الماضي على أساس سنوي بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

وارتفع معدل التضخم السنوي  إلى 39.7% خلال الشهر الماضي، مقابل 15.3% خلال نفس الشهر من العام الماضي، وهو مستوى قياسي فيما تعاني البلاد من أزمة اقتصادية خانقة. وتعتبر أسعار المستهلك المسجلة الشهر الماضي الأعلى منذ أكثر من 40 عاما على الأقل، بحسب أرشيف أسعار المستهلك المنشور على موقع الإحصاء المصري. وحلت مصر في المركز السادس بعد سورينام بقارة أميركا الجنوبية ضمن أعلى عشر دول في العالم في ارتفاع معدلات التضخم وأسعار المواد والسلع الغذائية، بنسبة ارتفاع بلغت 66%، وفقا لبيانات البنك الدولي.

 

أسباب الغلاء في مصر

ويعزو خبراء أسباب ارتفاع أسعار الغذاء في مصر إلى  تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار وباقي العملات الأجنبية  وهبوط قيمته بأكثر من 50% رسميا و75% بأسعار السوق السوداء رغم محاولات البنك المركزي دعم العملة المحلية. وكان متوسط سعر صرف الجنيه المصري في مارس 2022 نحو 15.7 جنيها أمام الدولار الواحد، ليستقر حاليا عند 30.9 جنيها (السعر الرسمي) بعد خفضه 3 مرات. وكان الجنرال عبدالفتاح السيسي قد أجرى  اتفاقا مع صندوق النقد في نوفمبر 2016م، لاقتراض 12 مليار دولار؛ وقام بتخفيض قيمة الجنيه من 8 إلى 16 جنيها مرة واحدة، الأمر الذي أدى إلى تآكل قيمة المرتبات والأجور والمدخرات إلى النصف.

ويرى قطاع من الخبراء أن أزمة الدولار هي عرض لمرض أكثر خطورة وهو غياب الرشد عن السياسات الاقتصادية، وانعدام الإرادة السياسية بشأن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء وتحويل الاقتصادي من اقتصاد ريعي  يقوم على الخدمات وجمع الرسوم والضرائب إلى اقتصاد إنتاجي في القطاعين الزراعي والصناعي. فمصر حاليا تستورد أكثر من 65% من غذائها، كما أنها تستورد معظم السلع الأخرى من أسلحة وأجهزة كهربائية وسيارات ومعدات؛ الأمر الذي رفع فاتورة الاستيراد إلى 95 مليار دولار سنويا رغم فرض قيود الاستيراد في فبراير 2022م.

وتنقل الجزيرة نت عن عضو مجلس إدارة الشعبة العامة للمواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية أشرف حسني، قوله إن "هناك عدة عوامل تؤثر في ارتفاع أسعار الغذاء في مصر، أولها سعر صرف الجنيه أمام الدولار، ومدى توفر العملة الصعبة، والصعوبات التي تواجه الاستيراد، وتراجع المعروض من السلع". بالإضافة إلى  عدم وجود بدائل محلية لمواجهة النقص في البضائع المستوردة تتيح المنافسة وتتيح للمستهلك الاختيار من بين بدائل متعددة، إلى جانب ندرة مواد التصنيع لتوفير السلع وندرة السلع نفسها، وارتفاع التكلفة لدى التاجر والمنتج والمستورد. ورأى أن تأثر أسعار السلع الغذائية بالأسعار العالمية ارتفاعا وانخفاضا مرهون باستقرار سعر صرف الجنيه وإتاحة الدولار وتوفر المواد الخام والقدرة على الاستيراد بشكل طبيعي دون معوقات.

كما استبعد عضو مجلس إدارة الشعبة العامة للمواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية، أن يكون التجار السبب الرئيسي في موجة الغلاء المستمرة، وأشار إلى أن التكلفة أصبحت مرتفعة، ومعادلة الربح عند التجار هي تكلفة الفرصة البديلة مع عائد المخاطرة، "والتاجر لو وضع رأس ماله اليوم في البنوك أو قام بتحويله إلى أصول ثابتة سيكون ربحه أكثر من عملية التجارة"، مشيرا إلى أن رأس مال التاجر يتضاءل بسبب التضخم ودورته أصبحت أبطأ، على حد قوله.

 

الجوع يأكل المصريين

وفي يناير2023م، نشر المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية دراسة حول اعتماد مصر على الواردات الغذائية، مما يجعلها معرضة بشكل خاص لارتفاع أسعار الغذاء العالمية والصدمات التجارية الناجمة تطورات الأحداث والصراعات العالمية. وأجرى المعهد مسحا يشمل أكثر من 6000 أسرة فقيرة وشبه فقيرة من جميع أنحاء مصر . وذكرت 85% من الأسر أنها خفضت استهلاك اللحوم، و75%  خفضت استهلاك الدجاج والبيض، وهو أمر منطقي نظرًا إلى الزيادات الكبيرة في أسعار هذه الأصناف، ولسوء الحظ، هذه مجموعات غذائية مغذية توفر مصادر رئيسية للبروتين، مما يشير إلى انخفاض محتمل في جودة النظام الغذائي وتعتبر الأسماك والحليب أيضًا مصادر مهمة للبروتين والمواد المغذية الأخرى التي ارتفعت أسعارها أيضًا ارتفاعا كبيرا. في المقابل زادت اعتماد الأسر المصرية على أصناف غذائية أقل جودة وقيمة مثل البطاطس والمكرونة. ونحو 24% من أسر خفضت استهلاكها من الخبز غير المدعوم لارتفاع أسعاره.

ارتفاع معدلات الفقر

ومنذ 2019م تمتنع أجهزة الدولة عن الكشف عن معدلات الفقر في البلاد؛ وأخر التقارير الرسمية التي أصدرها الجهاز المركزي للمحاسبات تعود إلى الشهور الأخيرة من 2019م وحتى مارس 2020م، وهي الشهور التي لم تشهد تفشي جائحة كورونا. وقدر الجهاز معدلات الفقر بنحو 29.7%، وهو الرقم الذي يشكك فيه كثيرون وسط أنباء عن تدخل أجهزة الدولة الأمنية في خفض الرقم من أجل إظهار أثر المشروعات التي أهدر عليها النظام أموال الدولة. وتضاعفت معدلات الفقر في مصر بعد تفشي جائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية ثم التخفيض الهائل لقيمة الجنيه أمام الدولار في سنة 2022م.  ويقول نائب وزير التخطيط، أحمد كمالي، في تصريحات صحفية الثلاثاء 11 سبتمبر 2023م ـ  إن التقديرات اﻷولية لخط الفقر في بحث الدخل والإنفاق لأعوام 2021/ 2022، ستكون عند 1400 جنيه، بارتفاع نحو 63% عن خط الفقر السابق في بحث 2019/ 2020 الذي كانت قيمته 857 جنيهًا، حسبما نقل موقع البورصة. وأضاف أن التقديرات اﻷخيرة محل مراجعة في ظل ارتفاع التضخم، مشيرًا إلى استهداف الحكومة خفض عدد السكان تحت خط الفقر بنحو 20% بحلول 2027. وكان 29.7% من المصريين تحت خط الفقر في بحث الدخل والإنفاق 2019/ 2020، الذي رصد الفترة السابقة على تفشي فيروس كورونا في مصر، مقابل 32.5% في بحث 2017/ 2018، ما مثّل أول انخفاض منذ عام 1999/ 2000.