لهذه الأسباب.. الهجوم البري على غزة لا يخدم المصالح الأمريكية

- ‎فيتقارير

خلال لقاء مع أعضاء لجنة الخارجية والأمن بالكنيست الإسرائيلي، الجمعة 20 أكتوبر 2023م، تحدث وزير الأمن في حكومة الاحتلال الإسرائيلي يوآف جالانت  عن خطة المراحل الثلاث من الحرب على قطاع غزة.  وحسب جالانت فإن الهدف من الحرب هو القضاء على حركة حماس وقدراتها العسكرية ونظام حكمها، ومن ثم رفع المسؤولية الإسرائيلية بشكل كامل عن قطاع غزة، وإنشاء نظام أمني جديد في القطاع. وثمة اتفاق في تقديرات الموقف الإسرائيلية  على أن قطاع غزة سوف تقل مساحته عما هي عليه الآن.

المرحلة الأولى ـ حسب جالانت ـ هي حملة عسكرية بالنار ثم بالمناورة (في إشارة إلى التوغل البري)، هدفها تدمير النشطاء وتدمير البنية التحتية، وذلك من أجل تدمير حماس” وهي المرحلة التي ستستمر فترة طويلة. أما المرحلة الثانية، فهي تواصل القتال بقوة منخفضة أكثر، لكنها تسمح بالتوغل إلى القطاع حسب الضرورة.  أما المرحلة الثالثة والأخيرة، فهي “إقامة نظام حكم أمني جديد في قطاع غزة، ورفع مسؤولية إسرائيل بالكامل عن الحياة في القطاع، وإنتاج واقع أمني جديد لسكان إسرائيل”.

وحسب القناة 12 الإسرائيلية، مساء الخميس 19 أكتوبر، فإن قيادة المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي اضطرت إلى وضع خطط عمل جديدة كلياً، وجُنّد ضابطان كبيران في قوات الاحتياط، هما موشيه تمير ويوسي باخر، لمساعدة قائد المنطقة الجنوبية في التخطيط للحرب.

وأقام وزير الأمن الإسرائيلي يوآف جالانت طاقماً “للتفكير باليوم التالي لتفكيك حماس”، على حد تعبير القناة، والذي سيقدّم له استنتاجات أثناء سير الحرب، حول من سيكون صاحب السيادة ولمن يمكن نقل السيطرة على قطاع غزة، ويعمل الطاقم أيضًا على التخطيط لمنطقة عازلة، تشكّل منطقة آمنة، على طول الحدود مع قطاع غزة وستطلق قوات الاحتلال النار على كل من يقترب منها.  وحسب القناة العبرية فإن أحد أهداف الحرب هو إعادة الأمن لسكان المستوطنات والبلدات المحيطة بقطاع غزة، أو ما يُعرف اسرائيلياً باسم “غلاف غزة”، في محاولة لإعادتهم إلى منازلهم التي تركوها بعد عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر2023م.

ويجمع العديد من المحللين العسكريين الإسرائيليين بأن الاجتياح البري آت لا محالة، دون إخفاء تخوفاتهم من أن الثمن الذي قد تدفعه إسرائيل سيكون فادحاً أيضاً، بما في ذلك مقتل عدد كبير من الجنود. من جانبها تؤكد المقاومة الفلسطينية جهوزيتها لأي اجتياح بري تقدم عليه قوات الاحتلال الإسرائيلي.

 

حرب لا تخدم المصالح الأمريكية

وفي تقدير موقف لتطورات الصراع العسكري، تساءل الدبلوماسي الأمريكي ريتشارد هاس، في مقال له نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية عن الأسباب التي تحتم على واشنطن العمل على كبح جماح “الحملة العسكرية” التي تشنها إسرائيل حاليا في قطاع غزة، والمحافظة على الطريق المؤدية إلى السلام.  ورغم أن هاس يتبنى الرواية الإسرائيلية الأمريكية ويتفهم رغبة الاحتلال في القضاء على المقاومة الفلسطينية وحركة حماس، إلا أنه يختلف مع الطريقة التي تدار بها الأمور.

يرى هاس أن السعي لتحقيق هذا الهدف لا يعني أنه الأسلوب الأمثل أو المستحسن. ويستطرد قائلا إن استراتيجية إسرائيل الواضحة معيبة من حيث الغايات والوسائل. ويستبعد تماما فكرة القضاء على حماس بشكل كامل؛ ويستدل على ذلك بأن حماس شبكة وحركة وأيديولوجية بقدر ما هي منظمة، موضحا أنه بالإمكان قتل قيادتها، لكن الكيان (جسم الحركة وأفكارها) أو ما يشابهه سيظل قائما، وأن ثمة ما يدل على أن إسرائيل تتأهب لغزو بري واسع النطاق، مما يضع واشنطن في موقف صعب، طبقا لهاس الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية في واشنطن.

هاس يتفق مع نزعة الانتقام الإسرائيلية كما يتفق مع الدعم الأمريكي اللا محدود لحكومة وجيش الاحتلال الإسرائيلي، لكنه يختلف فقط على الطريقة التي يمكن بها تحقيق هذا الانتقام، وأن على إسرائيل صياغة الكيفية التي ستبدو عليها عملية الانتقام. ويحذر الدبلوماسي الأميركي من أن للولايات المتحدة مصالح في منطقة الشرق الأوسط وما وراءها، والتي لن يخدمها أي غزو واحتلال إسرائيلي لغزة، ولا السياسات الإسرائيلية الطويلة المدى التي لا تعطي أملا للفلسطينيين الذين ينبذون العنف، على حد قوله.

ويحذر من أن البديل لقتل أي أمل في حل سياسي هو حرب أوسع نطاقا واستمرار الوضع الراهن غير المستدام إلى أجل غير مسمى- مؤكدا أن هذا سيكون “أصعب وأشد خطورة بكثير”.

أحد مخاوف هاس أن الهجوم البري المحتمل الذي يستهدف القضاء على حماس يتطلب هجوما هائلا في بيئة حضرية مكتظة بالسكان، مما سيكون مكلّفا لإسرائيل من حيث إنه سيؤدي إلى سقوط ضحايا من المدنيين، الأمر الذي سيولِّد دعما لحماس بين الفلسطينيين. كما أن استخدام القوة الماحقة ضد غزة سيثير بدوره احتجاجات دولية، وسيعطل التطبيع مع الحكومات العربية، وسيوقف علاقات إسرائيل القائمة مع جيرانها العرب أو ربما يؤدي لإلغائها، حسب اعتقاد الكاتب

ويفتح الكاتب النقاش حول تصورات ما بعد حماس، متسائلا: حتى لو تمكنت إسرائيل من سحق حماس، فما الذي سيحدث بعد ذلك؟  ويؤكد أنه لا توجد سلطة بديلة لأن السلطة الوطنية الفلسطينية تفتقر إلى الشرعية والقدرة والمكانة في غزة. وليس هناك حكومة عربية مستعدة للتدخل وتحمل المسؤولية نيابة عن قطاع غزة.

ويفضل الكاتب هجوما محدودا على الغزو البري للقطاع، ويتحدث هاس عن البديل للغزو البري، ويرى أن هناك خيارا آخر يتمثل في تجنب غزو واحتلال غزة، والاستعاضة عنه بتوجيه ضربات تستهدف قادة حماس ومقاتليها، وما سينجم عنها من النيل من قدرات حماس العسكرية، على أن تقوم تل أبيب بإعادة بناء قدراتها العسكرية على طول حدودها مع قطاع غزة حتى يتسنى لها استعادة قوة الردع والتقليل من احتمال شن هجمات وصفها بالإرهابية في المستقبل. 

ويحذر الكاتب من عملية عسكرية مطولة وكبيرة؛ وأن ذلك قد يؤدي إلى نشوب حرب إقليمية أوسع يشعل شرارتها إما قرار من حزب الله اللبناني بإطلاق صواريخ على إسرائيل، وإما اندلاع “أعمال عنف” عفوية في الضفة الغربية. ويرى أن على واشنطن وتل أبيب عدم تجنب التفكير في الضغوط التي قد تحدث نتيجة لتطورات الحرب بما يجبر إسرائيل على التوصل إلى وقف إطلاق النار. وينتهي إلى أنه مع انقشاع غبار الحرب ستكون هناك حاجة إلى دبلوماسية أمريكية مستدامة، بهدف “إنعاش” حل الدولتين، وفق هاس.