مع اقتراب شهر رمضان المبارك تشهد الأسواق المصرية موجة من ارتفاع الأسعار، بداية من السلع الغذائية ومرورا بالأجهزة الكهربائية وانتهاء بمواد البناء وغيرها من السلع الأخرى، التي ارتفعت في بعض الأحيان بنسبة 100% دون سبب واضح.
ورغم عدم اتجاه حكومة الانقلاب إلى تعويم الجنيه وتحرير سعر الصرف في الوقت الحالي، ورغم تراجع سعر الدولار أمام الجنيه فى السوق السوداء ، إلا أن الأسعار تواصل الارتفاع بشكل مبالغ فيه، وهو ما أثار تساؤلات حول أسباب هذا الارتفاع خاصة مع دخول شهر رمضان الكريم.
كانت أسعار السكر والزيت والأرز والدواجن واللحوم قد شهدت مؤخرا قفزات كبيرة، وأرجع الخبراء هذه الارتفاعات إلى مشاكل في العرض وندرة بعض هذه السلع في الأسواق، خاصة السكر الذي وصل سعره إلى أكثر من 50 جنيها رغم تحقيق مصر اكتفاء ذاتي منه، ونفس الأمر تكرر مع الأرز والدواجن.
وارتفع سعر الزيت إلى نحو 100 جنيه للتر، بينما زاد السكر إلى نحو 60 جنيها، والمكرونة إلى أكثر من 30 جنيها، والأرز يتراوح بين 35 و42 جنيها، والفول نحو 60 جنيها، والعدس 75 جنيها، والدقيق 36 جنيها، واللحوم تجاوزت الـ 400 جنيه، والحديد نحو 60 ألف جنيه للطن.
السوق السوداء
حول أزمة الأسعار قال الخبير الاقتصادي الدكتور رائد سلامة: إنه “على الرغم من انخفاض مستويات التضخم وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، إلا أن المواطنين لم يشعروا بهذا الانخفاض، بل هناك زيادة في الأسعار بشكل ضخم وكبير وصلت في بعض الأحيان إلى 70%”.
وأوضح سلامة في تصريحات صحفية أن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء يصدر بيانات التضخم وفقا لمجموعة من السلع وليس كل السلع، وبالتالي حساب متوسط الارتفاع في السلع يظهر بأقل من المتداول في الأسواق، لأنه لا يحسب كل السلع.
وأشار إلى أن هناك بعض السلع تشهد ارتفاعات كبيرة مثل السلع الغذائية والخضراوات والفاكهة، والبعض الآخر يرتفع بنسبة أقل، وبالتالي عند حساب المتوسط ومعدل التضخم في النهاية يظهر بأقل من المتداول، ولذلك تخرج البيانات مخالفة للواقع.
وفيما يتعلق بتعويم الجنيه والأسعار، أكد سلامة أن الأسعار تتأثر حاليا بانخفاض سعر الجنيه، والتجار يتعاملون في تسعير بضاعتهم بناء على سعر السوق السوداء وليس البنوك، وبالتالي عندما تنخفض قيمة الجنيه رسميا في البنوك، وتصل إلى قيمتها العادلة الواقعية في السوق وتقترب من القيمة الحقيقية في السوق السوداء، وقتها ستستقر الأمور، مشددا على ضرورة توحيد سعر العملة الأجنبية بوجود سعر واحد فقط وليس سعرين.
ولفت إلى أنه من المعروف أن سبب ارتفاع معدل التضخم إما أن يكون زيادة في الطلب أو مشاكل في العرض، أي وجود إقبال كبير على سلعة ما ولكنها غير متوافرة، وهنا التاجر يقوم برفع أسعارها حتى يحقق أرباحا أكبر، وهذه الحالة ليست سبب التضخم في مصر الآن، بل نعاني مشكلة العرض وارتباط الاقتصاد المصري بسعر الدولار، لأننا اقتصاد استهلاكي ريعي وليس إنتاجيا تنمويا، ونلجأ إلى استيراد مستلزمات الإنتاج من الخارج، ثم تصنيعها في مصر أو استيراد بضاعة تامة الصنع، وبالتالي عندما يرتفع سعر الدولار فبالتأكيد فاتورة الاستيراد سترتفع، وبعدها تزيد أسعار المنتجات النهائية.
وأعرب سلامة عن اندهاشه من أنه رغم انخفاض أسعار الدولار فى السوق الموازية إلا أن الأسعار ما زالت ترتفع، موضحا أن مشكلتنا في مصر هي ارتفاع تكلفة الاستيراد وجشع التجار وعدم إحكام الرقابة على الأسواق في نفس الوقت.
قفزات كبيرة
وأكد الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب وكيل وزارة الصناعة والتجارة الخارجية الأسبق، إنه لا علاقة على الإطلاق بين التعويم واتفاق صندوق النقد الدولي مع ما يحدث في الأسواق المصرية من ارتفاعات في الأسعار.
وقال عبدالمطلب في تصريحات صحفية أن ارتفاعات الأسعار التي شهدتها الأسواق مؤخرا ليس لها أي مبرر على الإطلاق، فلم تكن هناك قرارات من حكومة الانقلاب أو تعديل في سعر الصرف على المستوى الرسمي، ومع ذلك ارتفعت الأسعار بنسبة 35% بالنسبة لمجموعة اللحوم والدواجن والألبان والبيض، وبنسب تقترب من 100 و120% لبعض السلع الأخرى مثل الفول والسكر والأرز وغيرها من الحبوب، ناهيك عن أسعار الخضراوات، مؤكدا أنه لم يكن هناك مبرر لارتفاع الأسعار في السوق المصري.
وأضاف، أن المواطن تعامل مع هذه الارتفاعات على أساس أن سعر صرف الدولار في السوق السوداء قد ارتفع إلى أرقام غير مسبوقة رغم تراجعه فيما بعد، موضحا أنه سواء كان هناك تعويم أم لا، فإن الأسعار لن تنخفض، بل على العكس إذا حدث التعويم سوف تعاود أسعار السلع والخدمات الارتفاع مرة أخرى.
وأشار عبدالمطلب إلى أن استقرار الأسعار في السوق المصري مرهون بتوافر المنتجات وزيادة الإنتاج والتشغيل وعدد المصانع ورفع كفاءة الإنتاج على مستوى القطاع الزراعي والصناعي، موضحا أن ارتفاع الأسعار سيستمر بالتأكيد، لكن الأهم ألا يكون هناك قفزات كبيرة في الأسعار، وما نتمناه أن تكون الارتفاعات بنسب معقولة ولا تكون كما حدث في الفترة الأخيرة.
واستبعد أن تستطيع حكومة الانقلاب ضبط الأسعار قبل شهر رمضان، لأن التجار يستغلون هذا الشهر لرفع الأسعار، مؤكدا أننا بالفعل أمام مشكلة رئيسية بسبب العادات المرتبطة بشهر رمضان خاصة مع السكر، والذي سيكون من الصعب جدا السيطرة عليه في رمضان بعدما وصل سعره إلى 50 و60 جنيها، فضلا عن باقي السلع التي لن يستطيع أحد التحكم فيها.
وأوضح عبدالمطلب أن حكومة الانقلاب قد تتمكن من توفير عدد من السلع الرمضانية، لكنها لن تكون متوافرة في جميع المحافظات والأحياء، مشددا على أن الحديث عن السيطرة على الأسعار وضبطها في رمضان أمر غير وارد.
العرض والطلب
وقال أحمد عنابي، عضو شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية بالجيزة: إن “الندرة هي أساس زيادة الأسعار في أي منتج سواء كان المنتج سلعة غذائية أو غيرها، موضحا أنه عندما يكون العرض كبيرا والطلب مناسبا فإن الأسعار تنضبط”.
وكشف عنابي في تصريحات صحفية أن منتجات الألبان زادت بطريقة جنونية بنسبة وصلت إلى 100% خلال عام، بسبب انخفاض الإنتاج وعدم اهتمام الفلاحين بتربية المواشي بعد ارتفاع أسعار الأعلاف منذ عام 2022.
وحذر من أن الألبان ثروة قومية يجب ألا تسير وفق نظام عشوائي، مطالبا دولة العسكر بتقديم إعانة للفلاح لأنه المصدر الرئيسي للغذاء من أجل زيادة هذه المنتجات .
وكشف عنابي أنه بسبب قلة عدد رؤوس الماشية وانخفاض الإنتاج عقب ارتفاع أسعار الأعلاف في عام 2022 وعدم قدرة الفلاح على تكاليف التربية، اضطر الفلاح إلى بيعها في سوق اللحوم بدلا من تربيتها، وبالتالي انخفضت كميات الألبان المنتجة التي كان يتم إنتاجها سنويا.
وأوضح أنه حتى بعد أن عادت أسعار الأعلاف للاستقرار، لم يعد الفلاح قادرا على شراء ماشية جديدة وتربيتها، وبالتالي استمرت أسعار الألبان في الارتفاع، لأن عدد رؤوس الماشية انخفضت بعد ذبحها في سوق اللحوم، مشددا على أن تدخل حكومة الانقلاب في هذه الحالة، مهم جدا لدعم الفلاحين ومساندتهم في التربية من جديد، حيث إن هناك تخوفا من توقف الإنتاج الفترة المقبلة بسبب غياب الدعم للفلاحين.
وطالب عنابي، بضرورة الاهتمام بالزراعة والحفاظ على الثروة القومية الموجودة حاليا، مع تطويرها وزيادتها باستمرار، عن طريق تنظيم حملات توعية في القرى بنوعية الأعلاف المناسبة لزيادة كمية إنتاج الألبان، والتطعيم الدوري للماشية، كما يجب تنظيم دورات توعية للمصنعين بالطرق المثلى لزيادة الإنتاج.
وشدد على ضرورة عدم تخزين السلع من جانب المستهلكين طالما أنها متوافرة حتى لو بأسعار غالية، خاصة أننا مقبلون على شهر رمضان، مشيرا إلى أن هذا التخزين يؤثر سلبا على السوق، ويرفع الأسعار، وبالتالي يجب على الجميع شراء احتياجاته فقط وعدم اللجوء للتخزين.