في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي والذي يقدم القدوة للمواطنين في النصب والبلطجة والسرقة والاحتيال، انتشرت جمعيات تزعم أنها تقوم بفعل الخير مثل حفر الآبار وتوصيل المياه للقرى وإطعام المساكين، وتنشر هذه الجمعيات الكثير من الإعلانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، بل وعبر إذاعة القرآن الكريم ويشارك فيها بعض دعاة ومشايخ الأزهر والأوقاف .
وبمجرد أن تحصل هذه الجميعات على الأموال وتخدع المواطنين تختفي ولا تترك أثرا للمشروعات التي كانت تدعي أنها تقوم بها .
ومع حلول شهر رمضان المبارك، تنشط جميعات النصب والاحتيال فى جمع التبرعات لتنفيذ الصدقات الجارية، عبر مسميات لمؤسسات لا يعلم أحد مدى صدقها، واختلط الحابل بالنابل بين قنوات وجميعات تستهدف أموال المحسنين بأعمال خير وهمية اتخذت من الدين ستارا لترتكب جرائم كبيرة، تتمثل في النصب باسم الدين، محققة أرباحا ومكاسب طائلة، حتى أصبح الإتجار بالدين في زمن عصابة العسكر أسهل وأقصر الطرق لاصطياد الفرائس وإيقاع الضحايا دون أخذ في الاعتبار أية عواقب قانونية أو دينية، وبات الشغل الشاغل للقائمين بهذه الأعمال هو تطوير تلك الحرفة والبحث عن وسائل جديدة للإيقاع بالمزيد من الضحايا، وبالتالي تحقيق مكاسب طائلة.
ضحايا النصب
من جانبها قالت هاميس واحدة من ضحايا النصب: إنها “وجدت إعلانا على فيسبوك عن حفر آبار صدقة جارية، وقررت التواصل مع الجهة المعلنة لحفر بئر صدقة جارية لوالدتها المتوفاة”.
وأضافت هاميس في تصريحات صحفية: بالفعل دفعت تكاليف حفر البئر كاملة، وبعد أربعة أيام أرسلت الصفحة فيديو للبئر باسم والدتها، فطلبت إرسال موقع البئر، ووجدتها في قنا على عكس ما تم الاتفاق عليه في بني سويف أو الفيوم، وعندما سألت عن سبب مخالفة رغبتها قالوا إن قرى الصعيد تحتاج إلى هذا أكثر .
وتابعت: قبلت بالأمر الواقع، وبعد ذلك تحدثت مع صديقة لي، وأعجبتها الفكرة، فقررت حفر بئر صدقة جارية لوالدها، لكنها تواصلت مع صفحة أخرى، ودفعت التكاليف كاملة، وتم الاتفاق على حفر البئر في بني سويف، ولم يستمر الأمر بضعة أيام حتى أرسلت لها الصفحة فيديو للبئر التي حفرت باسم والدها.
وأكدت هاميس أنها اكتشفت أنها نفس البئر، لكن الاختلاف فقط في قطعة الرخام التي وضع عليها اسم الشخص، وأن الصفحتين لنفس الأشخاص، وكل ما يتم هو تغيير الرخام فقط وكتابة أسماء أشخاص مختلفين وتصوير البئر بالفيديو وإرساله إلى المتبرع صاحب الصدقة الجارية.
إذاعة القرآن
وقالت فاطمة ضحية أخرى من ضحايا هذا النصب والاحتيال: إنها “منذ عامين تواصلت مع إحدى المؤسسات بعد سماع إعلان عنها فى إذاعة القرآن الكريم، وحضر المندوب إليها وأخذ المبلغ الذي تبرعت به وسلمها إيصالات بعدد وصلات المياه التي سيتم تركيبها والمبلغ المدفوع، وقال إنه سيتم إرسال فيديو بعد التنفيذ، ولكن لم يتم التواصل معها بعد ذلك”.
وأشارت فاطمة في تصريحات صحفية إلى أنها تواصلت مع أحد العاملين بإذاعة القرآن الكريم الذي أكد لها أن المؤسسة استغلت الناس وحصلت منهم على الملايين، مؤكدة أنها من أجل تحذير الناس قامت بنشر قصتها على مواقع التواصل الاجتماعي .
نصب إلكتروني
وقالت خبيرة علم الاجتماع، الدكتورة نورهان النجار: إنه “في ظل التطور التكنولوجي الذي نعيشه، بدأ المحتالون في نصب شباكهم لإسقاط ضحاياهم بطرق أكثر ذكاء، وحذرا آخذين الدين مظلة لاستغلال الأشخاص من أجل الثراء السريع”.
وأكدت «د. نورهان» في تصريحات صحفية أن عمليات النصب الإلكتروني منتشرة في جميع المجتمعات ليس في عالمنا العربي فقط، لكنها تأخذ أنماطا وأشكالا مختلفة من مجتمع إلى آخر وفقا لأسلوب الحياة والبعد الثقافي.
ونصحت بضرورة الوعي وعدم التسرع في منح الثقة للآخرين دون مقدمات أو تعاملات متكررة، وكذلك التأكد من الأشخاص والتعامل بحذر خصوصا الذين يتم التعامل معهم لأول مرة، واستشارة المختصين قبل توقيع العقود أو الاتفاقيات أو الشراء أو تحويل الأموال خصوصا من خلال الوسائل الحديثة.
وشددت «د. نورهان» على ضرورة التعامل مع جهات مرخصة معترف بها بعد التأكد من قدراتها المالية وعدم التساهل في تقديم المعلومات الشخصية للغير والاحتفاظ بها بشكل آمن واعتماد التدقيق والمراجعة المستمرة.
وحذرت من انه من أخطر الآثار الاجتماعية للاحتيال هو فقدان الثقة بين الناس وشعور من يتعرض للاحتيال بالإحباط والألم النفسي والشعور بالقهر.
خداع
وأكد الدكتور أحمد الطباخ، باحث بالأزهر الشريف، أن الغش بشكل عام لا تأذن به الشريعة الإسلامية، ولا يمكن أن يقوم به إنسان عاقل وحكيم لأنه نوع من الخداع وقد حرمه الله سبحانه، وتعالى بدليل حديث الرسول صل الله عليه وسلم: “من غشنا فليس منا”.
وقال الطباخ في تصريحات صحفية: إن “النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من عقوبته وهي النار، فقال : «المكر والخديعة والخيانة في النار»، مؤكدا أن النصب اشتمل على الثلاثة وليس واحدة منها فقط، حيث يتضمن المكر على الآخرين والعمل على خديعتهم، وهذا يعد غشا وخيانة لهم واستيلاء على حقوقهم”.
وأشار إلى أن دين الإسلام دين الوضوح والصراحة وأبشع أنواع الغش هو خداع الناس في دينهم واتخاذه تجارة بما فيه من النفاق والتظاهر بالدين الكاذب بين الناس، موضحا أن النصاب يعتمد على الطمع والخيانة والغدر .
وطالب الطباخ أي شخص بالتبين والتحقق من الأمور قبل التبرع أو تقديم الأموال لأي جهة لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا»، وهنا أمرنا الله تعالى بالتحقق من الأمور التي تعرض علينا في حياتنا خاصة في الأمور التي تخص العقائد.