على الأرصفة وفى الشوارع تجد سيدات تجاوز بعضهن سن الستين، ورجالا شابت رءوسهم وانهكتهم الأمراض، يعملون فى كنس الشوارع وجمع القمامة مقابل عشرات الجنيهات يوميًا، أغلبهم خارج أى إطار رسمى، بلا عقود بلا تأمين اجتماعى أو صحى، وبلا أدوات أمان تتجاهل حكومة الانقلاب معاناتهم وترفض أن تمد لهم يد العون والمساعدة .
فى ساعات الفجر الأولى، يعلو صوت السيارات المسرعة على الطرق، يظهر رجال ونساء تجاوزوا الستين والسبعين من أعمارهم، يحملون مكانس، أو يجرون أكياس قمامة، يمشون بخطوات متعبة بحثًا عن رزق يومهم.
مشهد كبار السن وهم ينظفون الشوارع صار جزءًا من الحياة اليومية فى المدن والقرى، ، كل واحد منهم يحمل قصة طويلة من العمل والعطاء، انتهت بمعاش هزيل لا يكفى ثمن الدواء، أو بلا معاش من الأساس.
الأمر لا يتوقف عند هذه المعاناة إنما قد تصل المأساة إلى الموت فى الشوارع بسبب سيارة مسرعة يقودها شاب متهور، أو سائق أرعن ليروح هؤلاء العمال البسطاء ضحية للقمة عيش لا تسمن ولا تغنى من جوع.
وكانت مدينة زهراء أكتوبر الجديدة قد شهدت حادثًا مأساويًا أسفر عن مصرع سيدتين من عاملات النظافة، بعدما دهستهما سيارة كان يقودها طفل.
وكشفت تفاصيل الواقعة أن الطفل فقد السيطرة على عجلة القيادة بسبب السرعة الزائدة، ما أدى إلى انحراف السيارة بشكل مفاجئ وصعودها فوق الرصيف الذى كانت تجلس عليه العاملتان، لتصطدم بهما بقوة وتسفر عن وفاتهما فى الحال متأثرتين بإصابات بالغة.
تنظيف الشوارع
فى هذا السياق تقول أم حسن، 68 عامًا، انها اختارت العمل فى تنظيف الشوارع منذ سنوات، مضيفة : جوزى مات من عشر سنين، والمعاش 900 جنيه بتخلص على أدوية السكر والضغط، لو قعدت فى البيت هموت من القهر ومش بحب امد أيدى لحد، فبنزل أشتغل.
وقالت الحاجة أم محمد 70 سنة : ما زلت أعمل بحثًا عن لقمة العيش، مشيرة إلى أنها زوجت ابنها ولكن إمكاناته محدودة، فاختارت ألا تثقل كاهله، وتعمل كعاملة نظافة بإحدى المؤسسات الخاصة مقابل أجر هزيل .
وأوضحت أنه رغم حاجتها الشديدة للرعاية بسبب حالتها الصحية فانها اختارت ان تعمل مشيرة إلى أنها تسير متكئة على قدم تؤلمها، وظهرٍ أنهكه الوجع، ومع ذلك تؤدى عملها فى تنظيف دورات المياه كما ينبغى.
الشغل "مش عيب"
وقال عم رمضان، 71 عامًا، انه كان يعمل عامل بناء منذ أن كان صبيًا، بنى بيوتًا لا يعرف أصحابها، وحمل طوبًا أكثر مما حمل ذكرياته .
واشار إلى أنه حين سقط من فوق سقالة قبل عدة سنوات، انتهت قدرته على العمل فى المهنة، ولم يجد أمامه سوى العمل فى تنظيف الشوارع ، فى الفجر، حتى لا يراه أحد من معارفه.
وأضاف الشغل مش عيب، العيب إن الواحد يمد إيده بس وجع الظهر فى السن ده مشكلة كبيرة، الصحة مش زى زمان، ومفيش معاش ولا علاج، وربنا هو اللى بيقوى.
وقالت الحاجة زينب، 74 عامًا، ان زوجها توفى ، وتولت هى تربية أبنائها وحدها، واليوم بعد أن تزوجوا جميعًا أصبحت أعيش وحيدة، وأعتمد على نفسى فى كل شيء .
وأضافت : ولادى ظروفهم صعبة ومش عايزة أتقل عليهم الحمل.
وأشارت إلى أنها كانت تخاف من نزول الشارع فى البداية لكنها لما احتاجت إلى الدواء، الخوف راح مؤكدة أن يومها يبدأ قبل أذان الفجر حيث تنزل تشتغل شوية ثم ترجع لتطبخ لنفسها وتنام.
وقال عم فؤاد، 69 عامًا، إنه يعانى من مرض بالقلب، لكنه يصر على العمل، موضحا أن الدكتور قال له ريح، بس هصرف منين؟
وأشار إلى أنه يعمل فى جمع القمامة من الشوارع الجانبية، ويتوقف كل فترة ليلتقط أنفاسه، ورغم ذلك يرفض الجلوس فى البيت.
وقالت سيدة مسنة فى أوائل السبعينيات، رفضت ذكر اسمها : ولادى عايشين بعيد، وكل واحد مشغول بحاله، وما ينفعش أقولهم إنى بشتغل فى الشارع.
وأوضحت أنها تقول لأبنائها إنها تساعد جارة مريضة، بينما فى الحقيقة تعمل يوميًا فى تنظيف الشوارع، مؤكدة أنها لا تريد أن تشيلهم همها، بس هى كمان تعبت.
عايش بالستر
فى بعض الشوارع، يوجد كبار سن لا ينتمون إلى مكان ثابت لا شركة، ولا مقاول، ولا جهة يعملون يومًا ويتعطلون أيامًا.
فى هذا السياق قال عم حسين، 76 عامًا : اللى يلاقينى يشغلنى يوم آه ويوم لأ لو تعبت محدش يعرف.
وأشار عم حسين إلى أنه يحمل كيسه ويتنقل، لا يملك سوى بطاقته الشخصية وبعض الأدوية .
وأضاف : أنا عايش بالستر.
نظرات الركاب
وقالت الحاجة سعاد، انها تعمل فى تنظيف إحدى محطات مترو الأنفاق منذ خمس سنوات، يومها يبدأ قبل شروق الشمس، وتنزل السلم ببطء شديد.
وأضافت: الشغل تحت الأرض أصعب من الشارع مفيش هوا، ومفيش نور شمس بس المرتب ثابت شوية.
وتؤكد الحاجة سعاد أن أكثر ما يؤلمها ليس التعب الجسدى، بل نظرات بعض الركاب، مشيرة إلى أن بعض الناس بتعدى ولا كأننا موجودين، وفى ناس تبص لنا كأننا مش بنى آدمين.
وأشار عم محمود، إلى أنه يعمل فى نظافة الأرصفة داخل محطة المترو مؤكدا أنه كان يعمل موظفًا بسيطًا قبل المعاش، لكن المعاش غير كافِ لتوفير المتطلبات الضرورية .
وقال عم محمود : قالولى المترو شغل خفيف بس الوقفة الطويلة تكسر الضهر.
