هل صارت مصر شبه دولة اقتصاديًا؟ ..الدولار يقفز والذهب يشتعل وفوضى بالبورصة
بات الاقتصاد المصري أكثر عرضة للاهتزاز مع كل أزمة محلية أو إقليمية، في مشهد يعكس هشاشة متزايدة خلال سنوات حكم المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي، بعدما قفز الدولار مجددًا أمام الجنيه، وارتفعت أسعار الذهب، فيما شهدت البورصة عطلاً فنياً مفاجئاً أعاد التساؤلات حول متانة البنية الاقتصادية والمالية للدولة.
وسجل الدولار ارتفاعًا تدريجيًا ليستقر قرب مستويات تتجاوز 52.70 جنيهًا، بعدما كان قد تجاوز 54 جنيهًا في جلسات سابقة، في دلالة واضحة على استمرار اضطراب سوق الصرف وفقدان الجنيه لقدرته على الاستقرار، رغم الإجراءات الحكومية المتلاحقة والاقتراض الخارجي المتكرر.
اقتصاد يتأثر بأي صدمة
ما يحدث يعكس واقعًا بات فيه الاقتصاد المصري شديد الحساسية لأي تطور خارجي، سواء حرب في المنطقة أو تقلبات بأسواق الطاقة أو خروج استثمارات أجنبية. فالتقارير الدولية بدأت تخفض توقعات النمو لمصر نتيجة ارتفاع تكلفة الاستيراد والطاقة، وتراجع تدفقات العملة الصعبة.
ويرى مراقبون أن هذا الوضع يكشف تحول الاقتصاد إلى كيان يعتمد على المسكنات المالية، من قروض وبيع أصول ورفع أسعار، دون معالجة حقيقية لجذور الأزمة، وعلى رأسها ضعف الإنتاج، وتراجع الصناعة، واتساع فاتورة الدين الخارجي.
وفي هذا السياق، قال مصرفيون إن التراجع المؤقت للدولار لا يعكس تحسنًا حقيقيًا، بل مجرد تصحيح محدود بعد موجة صعود حادة، مؤكدين أن الطلب على العملة الأجنبية لا يزال مرتفعًا، خاصة من جانب المستوردين الذين يواجهون مخاوف نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار العالمية.
الذهب ملاذ والمواطن الضحية
بالتزامن مع اضطراب الجنيه، ارتفعت أسعار الذهب محليًا بنحو 15 جنيهًا للغرام، مدفوعة بصعود الدولار. ويعني ذلك أن المواطن المصري يواجه موجة جديدة من الغلاء، سواء في السلع المستوردة أو المدخرات أو تكاليف المعيشة، بينما تتآكل القوة الشرائية بوتيرة متسارعة.
ويؤكد محللون أن الأموال الساخنة بدأت الخروج جزئيًا من سوق الدين المحلي، بالتوازي مع زيادة فاتورة الطاقة، ما وسّع الفجوة بين المعروض من الدولار والطلب عليه، وهو ما يضع البنك المركزي أمام اختبار جديد.
عطل البورصة.. عرض لمرض أكبر
وفي سوق المال، عادت البورصة المصرية للتداول بعد توقف فني مفاجئ جمّد الشاشات وأوقف تنفيذ الأوامر لعدة دقائق، قبل استئناف العمل دون توضيح رسمي فوري. ورغم صعود المؤشرات لاحقًا، فإن الواقعة سلطت الضوء على هشاشة المنظومة التشغيلية في واحدة من أهم مؤسسات الدولة الاقتصادية.
ويرى متابعون أن الأزمة لم تعد في سعر صرف أو عطل تقني، بل في نموذج اقتصادي كامل أصبح يتأثر بأي هزة، ويعتمد على تدفقات مؤقتة لا على قاعدة إنتاجية صلبة.
هل صارت مصر شبه دولة اقتصاديًا؟
السؤال الذي يتردد بقوة لم يعد سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا: كيف لدولة بحجم مصر أن يصبح استقرار عملتها وأسواقها مرهونًا بأي توتر خارجي؟ وكيف تحولت من دولة تملك مقومات ضخمة إلى اقتصاد مرتبك ينتظر القروض والمنح وبيع الأصول؟
في المحصلة، تبدو مصر اليوم دولة كبيرة بإمكانات ضخمة، لكن بسياسات جعلت اقتصادها في مهب الريح، يتأرجح مع كل أزمة، ويدفع المواطن الثمن.