بدأت مديريات التموين في حملات لضبط السماد السائل الذي يبدو أنه يصنع محليا في المحافظات، وآخر ذلك ضبط نحو 15 طنًا أسمدة زراعية سائلة مجهولة المصدر في المنوفية مركز الشهداء، بعدما شهدته المنظومة الزراعية في مصر من مفارقة صارخة تثير الكثير من التساؤلات والقلق حول مستقبل الأمن الغذائي؛ ففي الوقت الذي تمتلك فيه الدولة "ترسانة" صناعية ضخمة، يواجه الفلاح المصري واقعاً مريراً مع وصول سعر طن الأسمدة في "السوق الحر" إلى حاجز 28 ألف جنيه، وفقاً لتصريحات نقيب الفلاحين حسين عبد الرحمن أبو صدام، مما يكشف عن خلل عميق في إدارة وتوزيع الإنتاج المحلي.
والأسمدة الورقية أو السائلة تُنتجها شركات كبرى (مثل إيفرغرو أو موبكو) وتخضع لرقابة وزارة الزراعة لضمان نسب العناصر (نيتروجين، فسفور، بوتاسيوم) وهناك أسمدة مجهولة المصدر وغالباً ما يكون نتاج "مصانع بير السلم"، حيث يتم خلط مواد كيميائية مجهولة أو صبغات ومحاليل ملحية لا تفيد التربة، بل قد تؤدي إلى تدمير المحصول أو تلوّث التربة بالمعادن الثقيلة.
وضبط 15 طناً من هذه المواد يشير إلى عدة أمور منها؛ اتساع السوق السوداء نتيجة العجز في الأسمدة الرسمية بـ 7 مصانع كبرى، انتعشت تجارة "المنتجات الموازية" غير المرخصة.
ويشير أيضا إلى استغلال حاجة الفلاح ضحية لهذه المنتجات، لأنها تُباع بأسعار أقل بكثير من الـ 28 ألف جنيه، مما يغري المزارع الذي يبحث عن أي وسيلة لإنقاذ أرضه.
واشتعلت أسعار الأسمدة في ذروة موسم الزراعات الصيفية في مصر، مدفوعة بشح المعروض في الأسواق، ورفض شركات الإنتاج الالتزام بتوريد نحو 4 ملايين طن للجمعيات الزراعية والبنك الزراعي.
سيطرت السوق السوداء على تجارة الأسمدة، مع ندرة في العرض، وتهافت الفلاحين على الطلب لوقف تدهور الإنتاج في مزارع المحاصيل النقدية والخضروات والفاكهة.
قلاع الإنتاج: وفرة تصنيعية وقدرات عالمية
تمتلك مصر بنية تحتية قوية تجعلها في صدارة منتجي الأسمدة إقليمياً، حيث تضم خارطتها الصناعية مجموعة من القلاع التي تعمل بأحدث التكنولوجيات العالمية، ومن أبرزها:
شركة موبكو (MOPCO): بدمياط، وتعد من أكبر وأحدث منتجي اليوريا والأمونيا في المنطقة.
شركة أبو قير للأسمدة: بالإسكندرية، وهي القلعة التاريخية والصمام الأساسي للإنتاج النيتروجيني.
شركة أبو زعبل للأسمدة: المتخصصة في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية والمواد الكيماوية.
شركة كيما (أسوان): التي شهدت تطويراً ضخماً مؤخراً لتغذية احتياجات محافظات الصعيد.
شركة حلوان للأسمدة: إحدى الشركات المحورية في إنتاج اليوريا وتصدير الفائض.
شركة الدلتا للأسمدة (سماد طلخا): أحد أعمدة الصناعة العريقة التي تخدم منطقة الدلتا.
شركة النصر للأسمدة (سماد السويس): التي تساهم في تلبية احتياجات مدن القناة وسيناء.
أزمة إيفرجرو
في الأوساط الزراعية والصناعية في مصر، لا يمكن فصل الأزمات الاقتصادية عن الشخصيات الفاعلة في السوق، وظهر اسم المهندس محمد الخشن، رئيس مجلس إدارة شركة "إيفرغرو" للأسمدة المتخصصة، بشكل وثيق بتطورات هذا القطاع بعد حجم استدانة غاية في الخطورة وتوفات من تأثر الأسمدة بملفه.
وقال محللون: إنه "لا يمكن تحميل جهة واحدة أو شخص واحد مسؤولية ارتفاع الأسعار إلى 28 ألف جنيه، بل هو نتاج منظومة متكاملة من الأزمات مثل ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي وتراجع قيمة العملة المحلية وإعطاء الأولوية للتصدير لجلب الدولار والتحديات التمويلية التي واجهتها شركات مثل "إيفرجرو" وغيرها".
وتعتبر "إيفرجرو" أكبر منتج للأسمدة المتخصصة (مثل سلفات البوتاسيوم) في مصر والشرق الأوسط. أي اضطراب في خطوط إنتاج هذه القلعة الصناعية أو تعثر في سلاسل توريدها يؤدي مباشرة إلى نقص في المعروض من الأسمدة النوعية، مما يدفع الفلاحين للضغط على الأسمدة التقليدية (اليوريا والنترات)، وهو ما يساهم في رفع أسعارها نتيجة زيادة الطلب.
أين يختفي السماد؟
وقال مراقبون: إن "الضغط الاقتصادي يدفع الشركات لتوجيه الحصة الأكبر من إنتاجها نحو التصدير طمعاً في توفير السيولة الدولارية، مما يخلق عجزاً في المعروض المحلي. يضاف إلى ذلك أزمات إمدادات الغاز الطبيعي التي تؤثر أحياناً على معدلات التشغيل، فضلاً عن تعثر منظومة الرقابة التي تسمح بتسرب كميات من السماد المدعم إلى السوق السوداء لتباع بأسعار فلكية للفلاحين المضطرين".
ويعتبر الارتفاع الجنوني في الأسعار غير متوقف أثره عند حدود الحقل، بل يمتد ليضرب مفاصل الاقتصاد القومي، فوصول طن السماد لهذا الرقم يحول الزراعة إلى "مهنة خاسرة"، مما يدفع صغار المزارعين لهجر أراضيهم أو تقليص كميات التسميد، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية، هذا الخلل يترجم فوراً إلى موجات غلاء في أسعار الخضروات والحبوب، مما يضاعف من معاناة المواطن المصري الذي يواجه ضغوطاً تضخمية غير مسبوقة.
وفي عالم التجارة، ترتبط الأسعار بـ "الاستقرار". عندما تثار أخبار حول تعثر أحد أقطاب الصناعة أو وجود خلافات قانونية أو إدارية تخص شركات كبرى، يسارع التجار لتخزين السلع وتخفيض المعروض تحسباً لأزمة قادمة، مما يؤدي لرفع الأسعار بشكل استباقي.