لماذا تستحوذ فوائد الديون على 46% من موازنة العام المالي الجديد 2026-2027، بقيمة 2420 مليار جنيه، فيما يمثل الدعم والمنح نسبة 16%، وأجور العاملين نحو 16% أيضا؟ ولماذا يعتزم السيسي وحكومته على جمع 3.5 تريليون جنيه ضرائب في الموازنة الجديدة، 88% من إيرادات الدولة من دم الشعب وزيادة وصلت لـ 745 مليار جنيه عن موازنة 25/26 ؟
تساؤلات مشروعة حول أولويات الإنفاق؛ بعدما ارتفع بند "المصروفات الأخرى" (غير المحددة) ليصل إلى 289 مليار جنيه، في وقت يشهد فيه الدعم المباشر ومخصصات التعليم والصحة انخفاضاً حقيقياً مقارنة بالتضخم. تثير هذه الأرقام تساؤلات عن جدوى الصرف البذخي، فبينما يتم رصف الطرق وتجميل الأرصفة وطباعة آلاف "البنرات" لاستقبال الرؤساء والوفود.
وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي مؤشرات تضع نموذج الإدارة الاقتصادية المتبع منذ عقود أمام اختبار وجودي أخير، إلا أنه تظل هذه النفقات التي تُقدر بالملايين (كما حدث في زيارات تاريخية سابقة) محل تساؤل: هل نرى مثل هذه المظاهر في الدول المتقدمة؟ فلو زار مسؤول مصري فرنسا، هل سيجرؤ "ماكرون" على إنفاق مليون يورو من أموال دافعي الضرائب الفرنسيين على "بنرات" ترحيبية؟ الإجابة تكمن في الفرق بين إدارة الموارد وبين استعراضها لحكومة ورئيس انقلاب فاشل لا يعرف إلا الديون والضرائب وبيع الأراضي والثروات تحت شعار كاذب "الاستثمار".
المواطن هو الحل
تصريحات رئيس وزراء الانقلاب، مصطفى مدبولي، كشفت بوضوح أن جيب المواطن هو "الملاذ الأول" للحكومة، حيث تستهدف الموازنة زيادات ضخمة في الحصيلة الضريبية تصل إلى 51% من المرتبات، و46% من الدمغة، و42% من الرخص والسيارات.
والمفارقة هنا أن إجمالي الموازنة لا يتبقى فيه للسيولة الفعلية سوى تريليون و653 مليار جنيه (حوالي 32.7 مليار دولار)، في حين أن الدخل القومي لعام 2025 يُقدر بـ 21 تريليون و150 مليار جنيه (423 مليار دولار).
وبحسب مراقبين فإن هذا الفارق الهائل يثير علامات استفهام حول مصير الـ 19.5 تريليون جنيه المتبقية، خاصة حين نرى الدولة تذهب للاستدانة بـ 46 مليار جنيه بفوائد تصل لـ 25% في بداية السنة المالية لتغطية نقص السيولة، رغم بيع أصول مقومة بالجنيه والدولار بقيمة 3 تريليون و456 مليون جنيه استُنزفت في الأشهر الثلاثة الأولى.
فجوة الاقتراض العميقة
عند النظر إلى الاستخدامات الكلية، نجد رقماً ضخماً يصل إلى 8.17 تريليون جنيه، يتوزع بين 5.18 تريليون جنيه للمصروفات، و 190 مليار جنيه للاستثمارات، بالإضافة إلى سداد قروض محلية وأجنبية بقيمة 2.81 تريليون جنيه.
على الجانب الآخر، تتكون الموارد من 4.05 تريليون جنيه إيرادات عامة، و 109 مليار جنيه متحصلات من حيازة الأصول. وهنا تظهر الفجوة؛ حيث تحتاج الدولة لـ 4 تريليون جنيه من الاقتراض الجديد، ما يعني أن نصف الموارد القادمة تقريباً هي "ديون جديدة"، مما يؤكد أن الموازنة لا تزال "مدمنة" على الاقتراض لتمويل الالتزامات الجارية.
ثقب الدين الأسود: 129% من الإيرادات
تعد فوائد الدين هي البند الأكثر استنزافاً، حيث تبلغ في الموازنة القادمة نحو 2.42 تريليون جنيه، وإذا أضفنا إليها أقساط القروض (سداد أصل الدين)، سيتجاوز الإجمالي 5.23 تريليون جنيه، هذا الرقم المرعب أكبر من إجمالي الإيرادات المتوقعة للدولة بحوالي 1.2 تريليون جنيه، مما يعني أن سداد الدين وفوائده يلتهم 129% من إيرادات الدولة، هذا الواقع يعني ببساطة أن كل ما تحصله الدولة من ضرائب وقناة سويس وغيرها لا يكفي حتى لسداد أعباء الديون القديمة، قبل البدء في دفع مرتب أو تمويل مستشفى أو مدرسة.
الأجور والدعم.. زيادات يبتلعها الغلاء
في بند الإنفاق الاجتماعي، نلحظ زيادة في الأجور لتصل إلى 821 مليار جنيه (بزيادة 20%) نتيجة رفع الحد الأدنى. لكن هذه الزيادة تظل قاصرة لعدم تطبيقها على الجميع، خاصة العمالة المؤقتة والقطاع الخاص الذي يشهد احتجاجات مستمرة. أما دعم السلع التموينية فقد ارتفع لـ 178 مليار جنيه بزيادة 11% فقط، وهي نسبة تقل كثيراً عن معدلات التضخم الحالية وتوقعات ارتفاع أسعار الطاقة والأسعار العالمية للغذاء.
الصحة والتعليم.. الاستثمار الغائب
ورغم الزيادات الرقمية، تظل مخصصات الصحة والتعليم دون النسب الدستورية.
الصحة: مخصصاتها 302 مليار جنيه تمثل 1.23% من الناتج المحلي (مقابل 3% دستورياً).
التعليم: مخصصاته 367 مليار جنيه تمثل 1.5% من الناتج المحلي (مقابل 6% دستورياً).
ووفق مراقبين تكشف المقارنة أن الإنفاق على الصحة والتعليم مجتمعين يمثل 2.7% من الناتج المحلي، بينما فوائد الديون وحدها تلتهم 10%؛ أي أن مقابل كل جنيه للصحة والتعليم، تذهب 4 جنيهات لفوائد الديون.
أزمة هيكلية وأولويات مفقودة
تؤكد الموازنة المعروضة على برلمان العسكر والتي أقرها في ساعات بعد مسرحية معارضات أن الأزمة انتقلت من نقص العملة إلى "أزمة توزيع أعباء"؛ المواطن يدفع أكثر من مرتبه وسيارته ودمغته، بينما تذهب الأولوية لخدمة الدين والمصروفات السيادية والاستعراضية. إن الاستمرار في هذا النهج التقشفي، مع الاعتماد الكلي على القروض وبيع الأصول، لا يمكن أن يكون طريقاً للتنمية
ويرى مراقبون أن المخرج الوحيد هو تغيير جذري في الفكر الاقتصادي، بالتوقف عن مشروعات البنية التحتية غير العاجلة، والتركيز على التنمية البشرية الحقيقية (التعليم والصحة)، وإصلاح الهيكل الذي جعل الدولة تستدين بفوائد فلكية رغم امتلاكها دخلاً قومياً بمليارات الدولارات.
يقول محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل أجندة التنمية المستدامة، إن موارد الدولة ونفقاتها لا تتركز في مكان واحد.
وأضاف محيي الدين أن البعض قد يرى أن تنفيذ مشروعات خارج الموازنة العامة للدولة يحقق سرعة أكبر في الإنجاز ومرونة أعلى في التنفيذ، إلا أن هذا قد يأتي بتكلفة مرتفعة على الاقتصاد من ناحية ضبط الإنفاق وترتيب الأولويات.
أوضح أن القطاع الخاص كان في السابق مترددًا في المشاركة في النشاط الاقتصادي، لكنه أصبح اليوم أكثر إقبالًا على الاستثمار وطلبًا للفرص، خاصة في ظل حالة من الاستقرار الاقتصادي والمالي التي تسمح بالتوسع في الاستثمار ليس فقط في القطاع العقاري، بل أيضًا في مجالات أخرى مثل الزراعة والصناعة.
أشار محيي الدين إلى أن هذا التطور يعزز أهمية مفهوم “وحدة الموازنة”، بما يضمن دمج كافة الأنشطة المالية للدولة ضمن إطار واحد، وبما يسمح أيضًا بمشاركة القطاع الخاص بشكل أكثر حتى في حال تحقيق إنجازات عبر تنفيذ بعض المشروعات خارج الموازنة.