مؤشر الإحلال في الخليج.. مراقبون: صدمة تثير الجدل حول أولويات التعليم في مصر

- ‎فيتقارير

أثار الإعلان الرسمي الصادر عن دولة خليجية (الكويت كمثال) بشأن تطبيق خطط إحلال العمالة الوطنية في قطاع التعليم موجة عارمة من النقاشات والردود المتباينة بين المتابعين والمحللين في الشارع المصري وعبر منصات التواصل الاجتماعي، وقد أعاد هذا الملف فتح النقاشات الجوهرية حول مسار وجودة التعليم في مصر، وتراجع التنافسية الإقليمية والدولية للكوادر التعليمية المصرية بعد عقود طويلة من الريادة التاريخية في المنطقة العربية.

 

وفي سياق توضيح طبيعة القرار الكويتي وخلفياته، أشار حساب الذكاء الاصطناعي العالمي (@grok) إلى أن الخطوة التي اتخذتها وزارة التربية الكويتية لا تستهدف جنسية بعينها ولا تحمل أبعادًا سياسية موجهة ضد طرف محدد، بل تأتي في إطار سياسة عامة واستراتيجية وطنية شاملة لتوطين الوظائف بنسبة 100%، والاعتماد الكامل على الكفاءات والخريجين المحليين لشغل الوظائف التعليمية وسد العجز داخليًا، ورغم هذا التوضيح الهيكلي، إلا أن ردود الفعل اتخذت طابعًا نقديًا حادًا تجاه واقع المنظومة التعليمية المصرية؛ حيث علق حساب (@Nag FM) على هذا التراجع في التنافسية التاريخية بمقارنة لافتة بين الماضي والحاضر، مؤكدًا أن مستوى المعلم المصري في حقبتي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي قد اختلف كليًا وجزئيًا عن المستوى الحالي، وهو ما يعكس وجود فجوة حقيقية استجدت على كفاءة الكوادر التعليمية المعاصرة.

تحدي الكفاءة على أرض الواقع

يأتي هذا التحول الخليجي في وقت تسعى فيه الحكومة المصرية لتسليط الضوء على الطفرة العددية في المنشآت التعليمية؛ حيث صرح رئيس حكومة السيسي مصطفى مدبولي بأن عدد الجامعات الموجودة في مصر منذ عشر سنوات لم يكن يتجاوز 50 جامعة فقط، بينما قفز هذا العدد في الوقت الحالي ليصل إلى أكثر من 120 جامعة، معتبرًا في الوقت ذاته أن هذا الرقم لا يزال غير كافٍ لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

 

لكن في المقابل، تُظهر المؤشرات القادمة من الخليج، وبحسب ما أعلنته منصة (@grok) وفقًا لبيانات وزارة التربية الكويتية الصادرة في 13 فبراير 2025، أن التوجه نحو إحلال الكوادر الكويتية بنسبة 100% في سلك التدريس بات واقعًا مدفوعًا باكتفاء الدولة من الخريجين المحليين. وبناءً على ما نقلته جريدة الأنباء الكويتية، فإن هذا الاكتفاء شمل إنهاء أو إيقاف التعاقدات الخارجية مع معلمين من الدول الشقيقة لعام 2025/2026، نظرًا لوجود أعداد كافية تمامًا من خريجي الكليات الكويتية والتعاقدات الداخلية التي سدت الفجوة بالكامل.

وفي التوقيت ذاته، تعلن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر عن توجهات بديلة تركز على الجانب المؤسسي والاستثماري؛ حيث يتم العمل على إنشاء مؤسسة تمويلية جديدة بالتعاون والتنسيق مع البنك المركزي المصري، تختص بتمويل المنح الدراسية للطلاب وإتاحة الحصول على درجات علمية مزدوجة بالشراكة مع جامعات دولية مرموقة، في محاولة لربط المنظومة بالمعايير العالمية.

علاقات تاريخية

أثار التوقيت الحالي للقرارات الخليجية استياءً وتساؤلات لدى بعض المراقبين والمسؤولين الإعلاميين، وفي هذا السياق، استعرض الصحفي محمد الطوخي عبر حسابه (@Tokhyjournalist) العمق التاريخي والدعم المحوري الذي قدمته مصر لدولة الكويت منذ نيلها الاستقلال، موضحًا أن مصر أسهمت بشكل أساسي في بناء وتأسيس المؤسسات التعليمية الكويتية عبر إرسال المعلمين والخبراء، ودعمت نهضتها الإدارية والثقافية على مدار عقود، فضلاً عن الوقوف السياسي والعسكري الحاسم مع الكويت خلال حرب الخليج، بما يؤكد عمق العلاقات الأخوية والتعاون الاستراتيجي التاريخي بين البلدين.

 

وبناءً على هذه المعطيات التاريخية، طرح الطوخي تساؤلات نقدية مستنكرًا: "لماذا أصدرت الكويت قرارًا بمنع التعاقد مع المعلمين المصريين الآن وفي هذه الظروف ووسط هذا الدعم المصري الكبير للكويت؟ ولماذا فضلت التعاقد مع جنسيات أخرى؟ أليس هذا أمرًا مريبًا وعجيبًا". وتكشف هذه التساؤلات عن حجم الصدمة والنظر بوجل إلى تراجع المكانة التعليمية للمصريين في الخارج.

الغش المؤسسي

في المقابل، يرى شق واسع من الأكاديميين والقانونيين أن الأزمة الحقيقية ليست خارجية، بل هي نتاج تدهور داخلي في بنية التعليم نفسه، وفي هذا الإطار، أطلق الدكتور سعيد عفيفي (@DrAfify1958)، عضو حزب تكنوقراط مصر والمحامي الدولي، صرخة تحذيرية شديدة اللهجة حول خطورة تخفيض نوعية التعليم وانتشار ظاهرة الغش التي وصفها بأنها تقود إلى انهيار شامل للأمة.

واعتبر الدكتور عفيفي في تحليله أن تدمير أي أمة لا يتطلب بالضرورة استخدام قنابل نووية أو صواريخ بعيدة المدى، بل يكفي لتدميرها إضعاف جودة المنظومة التعليمية والسماح للطلبة بالغش والتجاوز، ورأى أن أول شيء قام به النظام الحالي بقيادة عبد الفتاح السيسي هو تدمير التعليم، مستشهدًا بتبدل الرموز التاريخية والقدوات في المناهج، حيث ظهرت شخصية مثل "محمود بانجو" في كتاب التاريخ بدلاً من القادة التاريخيين مثل صلاح الدين الأيوبي وخالد بن الوليد.

 

وفصّل الدكتور عفيفي التبعات الكارثية للغش المؤسسي على كافة قطاعات المجتمع والدولة، موضحًا أن المريض يلقى حتفه على يد طبيب نجح بالغش، وتنهار البيوت فوق رؤوس أصحابها على يد مهندس نجح بالغش، وتضيع الأموال وتخسر الاستثمارات على يد محاسب أو شريك تجاري نجح بالغش، وتستمر حلقة الغش بخداع العملاء والمستهلكين لتفسد الأبناء والأجيال القادمة، كما يموت الدين وتفسد الفطرة على يد شيخ أو قس وصلا إلى مناصبهما بالغش، ويضيع العدل وتغيب الحقوق في المحاكم على يد قاضٍ نجح بالغش، وأخيرًا يتفشى الجهل وتظلم عقول الأبناء على يد معلم نجح بالغش، ليربي فصلاً دراسيًا يكبر بدوره ليدمر مدينة كاملة.

 واختتم تحذيره بالتأكيد على أن المنظومة الحالية تتسبب في خسارة فادحة لكفاءات حقيقية كان يمكن لها أن تتميز وتضيف للوطن، مشددًا على أن "انهيار التعليم هو انهيار للأمة ككل".

تمدد المدارس الأجنبية

ولم تتوقف المخاوف التربوية عند حدود الغش وتردي الكفاءة، بل امتدت لتشمل خطرًا يهدد الهوية والثقافة الوطنية، فقد أبدى العديد من الخبراء التربويين مخاوف جادة وعميقة من التوسع المفرط وغير المشروط الذي تشهده الساحة المصرية في فتح المدارس الدولية والأجنبية، والتي تكمن مشكلتها الأساسية في إغفال تدريس اللغة العربية والتاريخ الوطني بشكل كافٍ وصحيح للطلاب.

 

وأعاد المهتمون بالشأن التعليمي جذور هذه الأزمة الهيكلية إلى قرارات تاريخية سابقة شكلت نقطة تحول سلبي، وفي مقدمتها قرار إلغاء نظام "تكليف المعلمين" في عام 1997 رضوخًا لشروط وإملاءات الصناديق والمؤسسات الدولية، وهو ما سمح بدخول حملة مؤهلات غير متخصصة وغير مؤهلة تربويًا إلى داخل المنظومة التعليمية وسد العجز بعمالة غير كفؤة.

وحذر الخبراء من أن المخرجات القادمة للمدارس الأجنبية الحالية قد تنتج أجيالاً جديدة تعاني من جهل حاد بلغتها الأم وتاريخ وطنها، مما يؤدي في النهاية إلى انفصال تام عن الهوية الوطنية والاجتماعية.

 

ويعكس هذا التفاعل الواسع فجوة عميقة وواضحة بين الطموحات الرسمية للحكومة التي تسعى لتسويق مصر كـ"مركز إقليمي للتعليم العالي"، وبين الواقع المعيشي اليومي للأسر المصرية؛ فالطبقات الضعيفة والمتوسطة تجد نفسها مسحوقة تحت وطأة تكاليف التعليم الخاص الاستثماري، أو مضطرة للقبول ببدائل التعليم العام المتهالك. وأكد النشطاء في هذا الصدد أن جودة التعليم وكفاءة المعلم الحقيقية هما المقياس الوحيد لبناء الدول ونهضتها، وليس مجرد التوسع العمراني في تشييد جدران ومقرات للجامعات الاستثمارية التي لا تقدم محتوى حقيقيًا.

الكم على حساب الكيف

وبناءً على بيان المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، فإن التوجهات الحكومية ترتكز على تحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بما يسهم في بناء اقتصاد المعرفة، وتعزيز شراكات التعليم العالي وإنشاء أفرع للجامعات الأجنبية داخل مصر لرفع التصنيف الدولي، بالإضافة إلى المضي قدمًا نحو إنشاء مؤسسة تمويلية بالتعاون مع البنك المركزي لتمويل المنح الدراسية وإتاحة الحصول على درجات علمية مزدوجة.

وتفاعل النشطاء بقراءات نقدية ركزت على الفجوة الشاسعة بين التوسع الاستثماري وكفاءة المنتج التعليمي على الأرض. وانتقد الكاتب الصحفي خالد محمود (@khaledmahmoued1) الاعتماد الحكومي على "الطفرة العددية" كمؤشر وحيد للتقدم، مشيرًا إلى أن التوسع في عدد الجامعات ليتخطى 120 جامعة يشبه إلى حد كبير وجود نحو 100 حزب سياسي في المشهد العام دون أن يكون لها أي قواعد جماهيرية حقيقية أو فاعلية تذكر. وأضاف محمود: "حديث الأرقام براق وخادع، وهنا يتحول التعليم من رسالة لبناء الإنسان إلى مجرد خطط للتوسع العمراني والاستثماري، في ظل سياسة واضحة تفضل الكم على الكيف والتراجع الحاد فى تصنيفات الكفاءة الحقيقية"، واعتبر أن الأمر نفسه ينطبق تمامًا على ملف التعليم العالي؛ حيث يرى رئيس الحكومة أن عدد الجامعات الحالي ليس كافيًا ويطالب بالمزيد، مما يحول التعليم من رسالة إنسانية لبناء المواطن إلى مجرد مشاريع عقارية واستثمارية، والمحصلة النهائية هي التراجع الحاد في دور الجامعات المصرية في تصنيفات الكفاءة العالمية، وضعف قدرة الخريج على المنافسة في سوق العمل الدولي، مؤكدًا أن بناء الدول لا يُقاس ببريق لافتات الجامعات الجديدة بل بفاعلية السياسة وجودة التعليم.

معيش فلوس

وأعادت الحسابات والصفحات الرقمية فتح النقاش الساخن حول أولويات الإنفاق الحكومي والموازنة العامة للدولة؛ حيث ذكّر حساب "ثورة شعب" (@ThawretShaaab) بالتصريحات الرسمية السابقة لعبد الفتاح السيسي والتي انتقد فيها المطالبات البرلمانية المتكررة بزيادة الإنفاق على الخدمات الأساسية للمواطنين، متسائلاً باستنكار: "وهنرد اعتبار التعليم إزاي والسيسي بيقول بكل فخر أنا مش عارف أعلم..؟ وعلى رأي بلحة، يعمل إيه التعليم في وطن ضايع؟".

 

وفي سياق متصل، هاجم حساب "باطل" (@batelsegnmasr) الأداء الرسمي العام، معلقًا على لجوء بعض المسؤولين إلى خطاب شعبوي يفتقر للتدقيق والوقوع في أخطاء لغوية حتى في نطق النصوص الثابتة أمام الجمهور، قائلًا: "إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا.. فالسيسي لا بينطق كلام صحيح ولا بيكون جملة بطريقة صحيحة فعادي بقا أن وزير التعليم يكون كده". وأضاف الحساب مذكرًا بموقف الرئيس وانفعاله الشهير خلال حديثه عن الإنفاق على التعليم والصحة في مصر، ورد فعله الغاضب على تساؤلات ومطالبات برلمانية بضرورة الالتزام بالإنفاق الدستوري المحدد قطاعيًا، قائلًا بوضوح: “هو أنا معي فلوس أصرف على التعليم والصحة؟”. هذا المقطع المرئي أثار جدلًا واسعًا وعميقًا على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا مع عودة النقاشات الحالية حول تدهور الوضع الاقتصادي، وانهيار الخدمات العامة، وغياب الرؤية العادلة لأولويات الإنفاق في مصر.

استنزاف الدروس الخصوصية

من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، تناول الناشط هاني بخيت (@HanyBakhit2) البعد المالي الخانق الذي يؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة والتعليم للطبقة المتوسطة ومحدودة الدخل في المجتمع المصري، مؤكدًا عبر حساباته أن "التعليم المجاني أكبر أكذوبة في مصر، التعليم في مصر مش بس غير مجاني وإنما تعليم غالي جدًا وأغلى من أي بلد تاني"، وفصّل ذلك بالإشارة إلى أن الأسرة إذا كانت ميسورة الحال فإن المدارس والجامعات الخاصة والاستثمارية تستنزف مدخراتها بالكامل، وإذا كانت الأسرة متوسطة أو محدودة الدخل فإن غول الدروس الخصوصية وبدائل التعليم العام يتولى استنزافها ماليًا وبشكل يومي. وربط بخيت بين أزمة التعليم وعملية الإفقار المستمرة والمنهجية التي يتعرض لها المواطن المصري منذ عام 2016 إثر القرارات الاقتصادية المتلاحقة وتراجع قيمة الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، قائلًا: "عشان تدخل ولادك مدرسة تحافظ على أبسط حقوقهم الآدمية لازم تدفع دم قلبك وتحويشة عمرك، عشان كده الحياة في مصر غالية".

 

وفي ذات السياق النقدي، عاد حساب (@ThawretShaaab) ليطرح تساؤلات مشروعة تلخص حالة الإحباط العام والانسداد في الأفق التربوي، مستفسرًا عن آليات رد الاعتبار للمنظومة في ظل المعطيات الراهنة؛ حيث تساءل عن كيفية رد الاعتبار للتعليم في وقت يعلن فيه رئيس الدولة بعدم قدرته على التعليم، وفي ظل وجود وزير تربية وتعليم ثارت حول شهاداته الأكاديمية ومؤهلاته شكوك واسعة حول تزويرها أو عدم قانونيتها. كما تساءل عن كيفية بناء جيل محترم ومتعلم يمتلك الوعي ويخاف على مصلحة بلاده ويعمل من أجل نهضتها، في وقت يتعرض فيه المدرس داخل الفصل الدراسي للضرب والشتم والتهديد وتقلص هيبته وقيمته الاجتماعية أمام الطلاب، مستفسرًا إن كانت السياسات الحالية تتقصد ترك الأمور تسير في هذا المنحدر لكي يخرج المجتمع مليئًا بالبلطجية وينهار السلم الاجتماعي.

 وتختزل هذه التساؤلات والردود الشعبية المتداولة عمق الأزمة الهيكلية، مستشهدة بالعبارة الرئيسة التي تلخص نظرة السلطة للوعي والتعليم والتي وردت على لسان رئيس النظام: "يعمل إيه التعليم في وطن ضايع؟".