لماذا يُفضّل الصهاينة “طابا” على “إيلات”.. “سياحة” أكبر من الاستجمام؟

- ‎فيتقارير

أشارت تقارير إعلامية عبرية، أبرزها ما نشرته قناة "i24News" ، إلى أن الإغراء الاقتصادي بات يتغلب بشكل واضح وجلي على المخاوف الأمنية وتشديد التحذيرات الرسمية الصارمة منذ أحداث أكتوبر 2023 وما تلاها من تصعيد مستمر وتكثيف للقصف على المدن الصهيونية.

ورغم أن الأعداد الإجمالية للمسافرين قد سجلت انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بفترات ما قبل الحرب، إلا أن شبه جزيرة سيناء تثبت مجدداً قدرتها العالية على الصمود كوجهة جاذبة ومفضلة للمصطافين الباحثين عن الهدوء وبديل الأسعار التنافسية التي باتت بمثابة حلم بعيد المنال داخل مجتمع الكيان.

 

وتكشف لغة الأرقام والمقارنات السعرية الرسمية عن هوة شاسعة وغير قابلة للمنافسة في تكاليف الاستجمام والإقامة بين الجانبين، حيث يتضح الفارق عبر المستويات التالية:

وتُكلف عطلة نهاية الأسبوع لعائلة واحدة في فندق اقتصادي بمدينة إيلات حوالي 2,800 شيكل، في حين لا تتجاوز التكلفة الإجمالية لخطة إجازة مماثلة في منتجعات سيناء نحو 600 شيكل فقط.

يتسع هذا الفارق بشكل حاد وصادم في الفنادق من الفئة المتوسطة؛ إذ تصل التكلفة إلى حوالي 7,000 شيكل في إيلات، مقابل 1,000 شيكل فقط في سيناء.

على مستوى الفنادق والمنتجعات الفاخرة، فإن المقارنة تبدو شبه معدومة وتكشف عن فجوة هائلة، حيث تبلغ التكلفة في المنتجعات الصهيونية حوالي 10,000 شيكل، مقابل ما يقارب 3,000 شيكل فقط في الجانب المصري.

 

هذا التباين الحاد في الأسعار، إلى جانب الجاذبية الطبيعية الخاصة بالشواطئ المصرية وسياحة السفاري والمشي الطويل نحو جبل سانت كاترين (أعلى نقطة في سيناء والوجهة المفضلة للمتنزهين)، يفسر بشكل كامل سر استمرار تدفق الصهيونيين.

وتشير القناة الصهيونية إلى أن طوابير الانتظار الطويلة والازدحام المعهود الذي كان يميز معبر طابا في الماضي اختفت وحلت مكانها حركة انسيابية هادئة؛ حيث يواصل السائقون المحليون المستفيدون من العوائد استقبال زوارهم المعتادين بترحاب، مما يمنح بعض المصطافين شعوراً واهماً بأن التحذيرات الأمنية الصارمة لا تنعكس على طبيعة الأجواء الميدانية في المكان.

وأضافت أي 24 إلى أن بعض السياح الصهيونيين المتواجدين هناك صرحوا بأنهم يفضلون بقاء هذه الوجهة سرية نسبياً وغير مسلط عليها الأضواء، خوفاً من أن يؤدي تدفق أعداد كبيرة مجدداً إلى تغيير الأجواء الهادئة والمنعزلة التي تشكل اليوم جوهر سحر سيناء.

الهروب نحو أوروبا

ورصدت مصادر محلية وثيقة وتقارير استقصائية تحولاً جذرياً وبُعداً آخر يفوق مجرد الرغبة في الاستجمام؛ إذ تشير البيانات والشهادات الميدانية إلى أن ما يقرب من 90% من العابرين الصهيونيين الحاليين لا يقصدون السياحة إطلاقاً، بل تحولت شبه جزيرة سيناء (خاصة مدينتي طابا ونويبع) في نظرهم من وجهة لقضاء العطلات الموسمية الطويلة (مثل عطلة عيد الفصح اليهودي) إلى مجرد "ممر عبور مؤقت" للهروب الفوري نحو الدول الأوروبية.

 

وبحسب شهادات مستثمرين سياحيين ومالكي فنادق في طابا ونويبع، فإن هؤلاء المسافرين يدخلون الأراضي المصرية وبحوزتهم تذاكر طيران مسبقة الحجز ومؤكدة نحو وجهات أوروبية مختلفة، حيث يتفقون مسبقاً مع شركات سياحية في داخل الكيان لتنسق بدورها مع وكلاء محليين في طابا وشرم الشيخ لتأمين ونقل النزلاء، ولا تتجاوز مدة إقامة هؤلاء العابرين في سيناء حاجز 48 ساعة كحد أقصى، يقضونها بشكل شبه كامل وملتزم داخل الغرف والمنشآت الفندقية بناءً على تحذيرات مشددة وصارمة من هيئة الأمن التابعة للاحتلال بعدم التحرك الفردي أو البقاء الطويل في سيناء لأسباب أمنية دقيقة، لينتقلوا بعدها بشكل جماعي عبر حافلات سياحية خاصة أو سيارات مستأجرة مباشرة إلى مطاري شرم الشيخ وطابا الدوليين.

وانتقدت صحيفة معاريف تحريك سلطات المعبر من الجانب المصري وتعديل رسوم العبور من الكيان إلى جنوب سيناء عبر منفذ طابا مرتين متتاليتين خلال شهر مارس الماضي؛ حيث ارتفعت الرسوم في الأسبوع الأول من 25 دولاراً للفرد إلى 60 دولاراً، ثم تضاعفت بنسبة 100% لتصل إلى 120 دولاراً عند الدخول والخروج، وسط اتهامات صحفية للقاهرة باستغلال الظروف الداخلية والأزمات الأمنية في الكيان لتعظيم وزيادة إيراداتها المالية السيادية.

"إيرتس هكوديش"

في خضم حركة النزوح والعبور المتسارعة هذه، تكشفت كواليس لوجستية وسياسية بالغة الأهمية حول الدور المحوري الذي تلعبه منظمة دينية صهيونية متشددة وذات نفوذ متصاعد تُدعى "إيرتس هكوديش" (الأرض المقدسة)، وأكدت التقارير الاستقصائية أن هذه الجمعية لم تعد تكتفي بنشاطها العقائدي التقليدي، بل تحولت إلى وسيط لوجستي وتجاري يتربح بشكل مباشر من تسهيل عمليات "الهروب"؛ إذ تتولى تنظيم رحلات حافلات كبرى تنطلق مباشرة من القدس وتصل إلى منفذ طابا، وتعمل على مساعدة الصهيونيين في عبور الحدود وتأمين الحافلات المؤمنة التي تنقلهم إلى المطارات المصرية في سيناء، مقابل تحصيل مبالغ مالية طائلة تتراوح بين 1,000 و2,000 دولار للفرد الواحد.

و"إيرتس هكوديش" هي تنظيم سياسي وحركي يمثل طائفة اليهود "الحريديم" (المتدينين المتشددين في تنفيذ التعاليم اليهودية) في الشتات، وتأسست رسمياً في الكيان كجمعية محلية مختصة بالمجال التعليمي في القدس عام 2020 يقودها الحاخام الأمريكي المتشدد "بيساح ليرنر".

ورغم أن حجم المنظمة المعلن محلياً في الكيان يظهر دورة مالية محدودة نسبيًا، إلا أنها تميز بين كيانها المحلي وحركتها الأوسع ذات الأذرع الدولية والتمويل الضخم القادم من الشتات؛ إذ تعمل تحت غطاء كيان أمريكي غير ربحي ومعفى من الضرائب يُدعى "مجلس التنسيق للوطن اليهودي"، وتمتلك فروعاً نشطة في كندا، بريطانيا، فرنسا، وأستراليا.

وتستغل المنظمة المقاعد المؤثرة داخل المنظمة الصهيونية العالمية، وصندوق الأراضي القومي، والوكالة اليهودية، لفرض ما تسميه "إصلاح توزيع الأموال"، وتعمل بشكل ممنهج على تحويل وتوجيه مليارات الشواكل والدولارات من البرامج المدنية العامة والتعددية، لصالح المعاهد التعليمية الدينية الحريدية، والبنية التحتية الدينية، ودعم مشاريع الاستيطان بشكل مباشر عبر تمويل بناء المستوطنات وشراء الأراضي وتحويل ملكيتها لصالح المستوطنين اليهود في الأراضي المحتلة.

 

ولم يقتصر نشاط المنظمة على الجوانب السياسية والتعليمية، بل امتد لتقديم دعم لوجستي وعسكري عاجل ومباشر لجنود جيش الاحتلال خلال الحرب على قطاع غزة عقب أحداث 7 أكتوبر 2023؛ حيث تولت المنظمة قوية التمويل جمع تبرعات ضخمة في الولايات المتحدة لتوفير مئات الدروع والسترات الواقية من الرصاص، والمستلزمات الطبية العاجلة للجنود في الخطوط الأمامية للجبهة، بالتوازي مع تنظيم فعاليات وتجمعات صلاة دينية حاشدة بمشاركة آلاف الطلاب داخل المسجد الأقصى.