«تصنيع الغضب وإدارة الاحتجاج»: “حريات” يفكك كواليس 30 يونيو ومآلات النخبة بعد عقد من الصدمة

- ‎فيتقارير

تناولت دراسة عن 30 يونيو لمركز "حريات" آليات "تصنيع الغضب" واستدراج المعارضة المدنية من خلال دراسة انطلقت من فرضية استراتيجية مفادها أن أحداث الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو 2013 لم تكن حراكاً شعبياً عفوياً محضاً، ولا مجرد ترتيب عسكري معزول، بل هي نتاج تفاعل ديناميكي مركب بين احتقان مجتمعي حقيقي، وآلات "تصنيع غضب" مُمنهجة.

وواجهت مصر بعد يناير 2011 معضلة بنيوية؛ تمثلت في سقوط رأس نظام مبارك مع بقاء المؤسسات الصلبة للدولة العميقة (الجيش، الأمن، القضاء، الجهاز الإداري، شبكات المصالح) محتفظة بكامل أدوات القوة والقدرة على المناورة طويل النفس، بانتظار اللحظة المواتية لتقويض مسار التحول الديمقراطي وإعادة تشكيل المجال العام.

وبحسب الدراسة ("تصنيع الغضب وإدارة الاحتجاج – كيف أُعيد تشكيل الإرادة الشعبية في 30 يونيو؟") فقد عمدت الشبكات المتحالفة للدولة العميقة إلى توظيف أدوات الحرب النفسية والإعلامية لتهيئة البيئة النفسية والاجتماعية لتقبل التغيير القسري؛ حيث تم تضخيم الأزمات الخدمية والاقتصادية اليومية (مثل أزمات الوقود والكهرباء) وتحويلها إلى دليل قاطع على فشل النظام بأكمله.

وفي هذا السياق، جرى تطوير حركة "تمرد" ونقلها من مبادرة احتجاجية شبابية إلى منصة سياسية وأمنية مدعومة مخابراتياً؛ لإنتاج "شرعية بديلة" موازية للصندوق. ونجحت هذه الاستراتيجية في استدراج القوى الثورية والمدنية وتعميق مخاوفها الأيديولوجية، مما دفعها للتحالف مع المؤسسات العسكرية والأمنية لإسقاط الخصم الإسلامي، دون إدراك أنها تساق إلى تصفية المجال السياسي التعددي بأكمله.

هندسة "الانقلاب الناعم"

تفسر الدراسة نجاح خطة الإطاحة بالتجربة من خلال التقاء أربعة عوامل استراتيجية في لحظة تاريخية واحدة تشمل الاحتفاظ المؤسسي للدولة العميقة بأدوات السيطرة الفعلية. والتفوق الإعلامي الكاسح وصياغة الرواية النفسية بوشوك انهيار الدولة. والتفتت الحاد ونزوع قوى ثورة يناير نحو نزع الشرعية المتبادل. وأخيرا الدعم المالي والإقليمي المكثف المصحوب بقبول وتمرير دولي.

وأدى هذا الالتقاء إلى تحول المشهد سريعاً من "احتجاج على الأداء" إلى عملية "إعادة بناء وتوجيه للدولة" وفق نمط سلطوي أكثر صرامة وتركزاً من نموذج ما قبل 25 يناير. استعادت الأجهزة الأمنية قيادة المشهد، وحُجّمت التعددية السياسية عبر ترسانة تشريعية وإجرائية تُغلق الفضاء العام، بالتوازي مع إعادة صياغة الذاكرة الوطنية لشيطنة ثورة يناير وتصويرها كمدخل للفوضى والمؤامرات.

الآثار الاستراتيجية بعيدة المدى

امتدت تداعيات 30 يونيو لتعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع لمدى زمني تجاوز العقد، وتتمثل أبرز هذه الآثار في:

تآكل الثقة في الآليات الديمقراطية: أصيب قطاع واسع من المواطنين بزهد وفقدان ثقة في جدوى الصناديق والعملية السياسية، مما أدى إلى تراجع المشاركة العامة.

إعادة هندسة النخب: صعود تحالفات مالية وأمنية جديدة واختفاء أو تأميم القوى التقليدية (سواء الإسلامية التي تلقت الضربة الكبرى، أو المدنية التي حوصرت في مجال سياسي أشد ضيقاً).

إقليمية النموذج: تحولت التجربة المصرية إلى نموذج مرجعي ملهم لأنظمة أخرى في المنطقة لإجهاض موجات الربيع العربي، وإعادة إنتاج السلطوية تحت لافتات الاستقرار ومكافحة الإرهاب.

 

الدروس المستفادة وتوصيات

يخلص مركز حريات من خلال تشريح التجربة إلى أن حماية أي مسار تحول سياسي مستقبلي تتطلب حزمة من الموجهات الاستراتيجية والتوصيات المؤسسية:

تأسيس علم "إدارة المراحل الانتقالية": تحويل إدارة التحول إلى مسار علمي بحثي وتدريبي مستقل يعنى بالعلاقات المدنية العسكرية، وإدارة الأزمات، بدلاً من الارتهان للاجتهاد الفردي اللحظي.

الانتقال من عقل التنظيم إلى عقل الدولة: إلزام القوى السياسية بإنشاء خطط حكم تفصيلية (إدارية، اقتصادية، أمنية) قبل بلوغ السلطة، والتمييز الواعي بين شروط الفوز الانتخابي وأدوات إدارة مفاصل الدولة.

صياغة الكتلة التاريخية الحرجة: بناء تحالفات وتوافقات وطنية عريضة ومستدامة (كتلة وطنية وسطى) قبل الاستحقاقات، تمنع انزلاق المشهد إلى استقطاب صفري أو ثنائيات إقصائية يسهل اختراقها وتوظيفها.

استراتيجية واقعية لتفكيك الدولة العميقة: فهم بنيتها وشبكات مصالحها، والاعتماد على خطط الإصلاح الهيكلي التدريجي والضبط الوظيفي والقانوني، مع التمييز الدقيق بين المؤسسات الواجب الحفاظ على استمراريتها ومراكز النفوذ الواجب تحجيمها.

تكامل الشرعيات ومأسسة الحوار: عدم الركون إلى الشرعية الانتخابية المفردة، وتدعيمها بشرعيات مجتمعية وإعلامية وإنجازات خدمية على الأرض، مع خلق آليات دستورية دائمة لإدارة الخلاف مع المعارضة داخل المؤسسات، لضمان عدم دفعها نحو الشارع أو استدراجها من قوى الثورة المضادة.

تحييد المؤسسات السيادية والعدالة: ترسيخ استقلال القضاء والنيابة العامة، وتأكيد حياد الأجهزة الإدارية والأمنية والعسكرية، ومنع توظيف أدوات العدالة أو الإعلام في الصراعات الحزبية الضيقة.

إدارة الاستقطاب والإعلام المستقل: تطوير منظومات إعلامية قائمة على الشفافية وسرعة الاستجابة لمنع تشكل فراغات يستغلها الخصوم لتصنيع الخوف والغضب، وحماية المجتمع المدني مع ضبط قواعد التمويل والاحتكار.

التحول إلى عقلية بناء الدولة: إدراك أن الثورات لا تنتهي بإسقاط النظم أو صناديق الاقتراع، بل بتأسيس قواعد مؤسسية وقانونية تمنع تحويل الأزمات المجتمعية إلى ثغرات لإعادة إنتاج الاستبداد تحت أي مسمى أو شعار.

https://x.com/hfpss_official/status/2071537088621588985

وترى الدراسة التي أنتجتها "الجماعة الإسلامية" عبر مركز حريات أن "أخطاء هيكلية للسلطة المنتخبة وحاضنتها الإسلامية" وأن الأخطاء من "مؤسسة الرئاسة والمؤسسات التشريعية (مجلسا الشعب والشورى)، ساهمت في عزل السلطة وتسهيل مهمة خصومها:

ومن ذلك ما ترى أنه (الاعتقاد بأن التفويض الانتخابي كافٍ بمفرده لتمرير السياسات وتفكيك مراكز القوة القديمة، مع إغفال الوزن الحقيقي للدولة العميقة).

ومن الآراء : انشغال البرلمان بالملفات التقليدية دون التحول إلى منصة بناء توافق وطني، أو كشف وتوثيق حجم التعطيل والمقاومة المستترة داخل أجهزة الدولة للرأي العام.

واعتبرت "حريات" التعامل مع "منطق الدولة" كبديل عن "منطق الثورة"، والتخلي عن الزخم الشعبي بالميادين، مما حرم السلطة التنفيذية من ظهير مجتمعي رادع لقوى الثورة المضادة بحسب رأيهم.

وقالت الدراسة إن " القوى الإسلامية الداعمة للرئيس دخلت الأزمة بعقلية المعارضة، وفشلت في صياغة "منطقة وطنية وسطى" تفصل بين الرئاسة والجماعة من جهة، وبين جبهة الإنقاذ المعارضة من جهة أخرى، مما جعل الصراع يبدو فئوياً أو أيديولوجياً بدلاً من كونه معركة لحماية مسار ديمقراطي جامع، بحسب الدراسة.