مع تدشين الجيش جامعة “كيان”.. مراقبون: عسكرة للعقول تتمدد إلى “بزنس” التعليم المدني

- ‎فيتقارير

في خطوة وُصفتها وسائل إعلام محلية بأنها تحول جذري في بنية الدولة المصرية وإعادة صياغة لهويتها الأكاديمية، أعلن المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية عن إطلاق "جامعة كيان" كأول جامعة مدنية بالكامل تعمل تحت مظلتها الرسمية، على أن تبدأ الدراسة بها اعتباراً من أكتوبر 2026.

تضم الجامعة الجديدة تخصصات استراتيجية وعلمية دقيقة تشمل كليات: الطب البشري، طب الأسنان، الصيدلة، العلاج الطبيعي، الهندسة، والحاسبات والذكاء الاصطناعي. ومع إعلان المتحدث العسكري رسمياً عن فتح باب القبول للدفعة الأولى من خريجي الثانوية العامة والأزهرية والشهادات المعادلة، لم يعد المشهد مجرد إضافة صرح تعليمي جديد، بل فُتحت أبواب السجال واسعاً حول دلالات هذه الخطوة التي يراها معارضون ومحللون تكريساً لـ "التمكين العسكري" وتدخلاً سافراً للمؤسسة العسكرية في قطاع الاستثمار التعليمي وبزنس الأموال، على حساب دورها الدستوري الأساسي في حماية الأمن القومي للبلاد.

 

عسكرة التعليم وتأميم المستقبل

وأثارت هذه الخطوة ردود فعل واسعة النطاق من قبل سياسيين وأكاديميين وحقوقيين عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث صبّت مجمل التحليلات في اتجاه التحذير من مغبة عسكرة الفضاء العام وتجفيف منابع التفكير الحر لصالح هندسة جيل جديد يدور في فلك السلطة.

ورأى المغرد والمحلل السياسي سيرچي كوربوڤ عبر @SergieKorbov أن إنشاء هذه الجامعة يتجاوز مجرد الاستثمار المالي إلى صياغة نخب جديدة بالكامل "ده إعادة تكوين للنخب الاستراتيچية.. إحنا قدام عملية تأميم للمستقبل.. النظام مدرك إن السيطرة على الحشود في الشوارع بواسطة الأمن مش كافية على المدى البعيد.. عشان كده لازم يسيطر على المصنع اللي بينتج قادة الرأي والمجتمع.. دي محاولة لإحكام القبضة على مفاصل الدولة الحيوية زي الطب والهندسة والتكنولوجيا عن طريق صنع جيل جديد من التكنوقراط المدنيين شكلا، العسكريين ولاء ونشأة.. جيل بيتم تدريبه عشان يكون مجرد ترس كفء في آلة السلطة.. ترس ميمتلكش ترف التساؤل عن اتجاه حركة الآلة دي أو جدواها..".

 

الاسم والرمزية السياسية

ومن جانبه، توقف الأكاديمي والباحث د. عصام عبد الشافي عند الاسم الذي اختاره النظام للمؤسسة التعليمية الجديدة، رابطاً إياه بالتوجه العام للسلطة الحاكمة منذ عام 2013: وكتب @essamashafy  "في مصر العسكر قرر رأس النظام إنشاء جامعة عسكرية ليس في الأمر غرابة فهناك عشرات الجامعات العسكرية في العالم لكن الغريب في الأمر هو اسم الجامعة ……. وكأن النظام لا يترك فرصة إلا ويُعبر فيها عن هويته وانتمائه منذ 2013"

 

من "تمكين الإخوان" إلى "السرطان العسكري"

في قراءة تحليلية معمقة للمشهد، قارن الكاتب الصحفي قطب العربي عبر @kotbelaraby بين مفهوم "التمكين" المستهجن سياسياً في أدبيات خصوم التيار الإسلامي (لعله يشير إلى ما كتبه عمار علي حسن ورد هو عليه مرات) عقب أحداث 2011، وبين ما يجري حالياً من تمكين عسكري يصفه بـ "السرطاني" لتغلغله في كافة قطاعات الحياة المدنية.

وقال العربي : "التمكين العسكري وملامح عسكرة التعليم والدولة في مصر: اكتسب مصطلح 'التمكين' رمزية خاصة ومثيرة للجدل في الفضاء السياسي العربي بعد أحداث عام 2011… إلا أن المشهد الراهن يشير إلى الانتقال نحو نوعٍ آخر وأكثر شمولية من التمكين، وهو 'التمكين العسكري'… الذي تمدد ليتحول إلى هيمنة واسعة تطال القطاعات الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، والأكاديمية، وصولاً إلى منظومة التعليم المدني".

    https://x.com/kotbelaraby/status/2076354585086644734

وحدد العربي مسارين رئيسيين لهذه العسكرة:

جامعة "الكيان": وهي أول جامعة مدنية تابعة للجيش، تحمل اسماً غريباً يرتبط بالمجمع العسكري في العاصمة الإدارية الجديدة (الأوكتاجون)، وهو مصطلح يثير الحساسية كونه يُطلق عادة في الثقافة العربية للإشارة إلى "الكيان الصهيوني". كما يرجح الكاتب أن تحظى الجامعة برعاية رئاسية مباشرة من السيسي الذي يفضل حضور حفلات المؤسسات ذات الطابع العسكري على حساب الجامعات المدنية التقليدية.

الأكاديمية العسكرية كبديل لمعهد إعداد القادة: حيث باتت الترقيات والتعيينات في السلك المدني (للمعلمين، أئمة المساجد، والقضاة) مشروطة باجتياز دورات ذات طابع أمني وعسكري داخل الأكاديمية، مما يُلغي دور المؤسسات المدنية العريقة لصالح الفحص والتقييم العسكري.

 

طمس الحدود واستنساخ كوابيس 1967

ويطرح الحقوقي والسياسي البارز أسامة رشدي @OsamaRushdi تساؤلات قانونية ودستورية جوهرية حول مشروعية تمدد الجيش إلى قطاع التعليم العالي المدني ومخاطر ذلك على الكفاءة القتالية للمؤسسة العسكرية نفسها.

"بعد أن احتكروا السياسة والاقتصاد والإعلام… جيش السيسي يدخل الآن مجال عسكرة التعليم الجامعي المدني!… فبعد الشركات والمصانع والطرق والكباري والفنادق والمزارع، والسيطرة على مهام الكثير من الوزارات وإدارة أصول الدولة خارج الموازنة العامة، أعلن جيش السيسي عن إنشاء ما سمي بـ'جامعة كيان'… وهنا يبرز السؤال: من الذي منح جيش السيسي سلطة إنشاء جامعة مدنية تمنح درجات علمية؟"

    https://x.com/OsamaRushdi/status/2075856721981882439

وأشار رشدي إلى غياب المرجعية الدستورية والمهنية وكيف أنه في الدول الحديثة، تختص وزارات التعليم العالي بالاعتماد الأكاديمي، بينما تقتصر مهمة الجيوش على الأمن القومي. الأكاديميات العسكرية العالمية مثل (ويست بوينت وساند هيرست) تؤهل ضباطاً مقاتلين، ولا تنافس الجامعات الوطنية على تدريس الطب والهندسة لعامة الشعب.

واعتبر القرار ضربًا لتكافؤ الفرص وبوابة للمحسوبية الجديدة حيث تعتمد الجامعات المدنية على مجموع شهادة الثانوية العامة لضمان العدالة. أما إخضاع الطلاب المدنيين لـ "كشف الهيئة"، والمقابلات الشخصية، والتقديرات الأمنية، فيفتح باباً خلفياً للمحسوبية والوساطة، ويتيح قبول أبناء النفوذ والولاءات ممن لا تؤهلهم درجاتهم العلمية الحقيقية.

وحذر من إهمال الجيش للوظيفة القتالية الأساسية ومن تكرار خطيئة ما قبل عام 1967، حين انغمس قادة القوات المسلحة في إدارة الاقتصاد والسياسة والمشروعات المدنية، ففقد الجيش فاعليته القتالية والاحترافية، وانتهى الأمر بالنكسة التاريخية.

 

تسويق "كيان" كمعيار للانضباط!

في المقابل، تقدم المنصات الموالية والترويجية للنظام الحاكم خطاباً مغايراً تماماً، يحاول تصوير "جامعة كيان" على أنها الثورة المنتظرة في جودة التعليم العالي وصناعة العقول.

وهناك رواية ترويجية لجامعة "كيان" أنها مزيج من الانضباط والتمتع بالمعايير العالمية من جانب تسويق دمج الصرامة والانضباط العسكري مع المناهج العلمية الحديثة لتقديم "خريج بمواصفات قيادية".

كما يروج لها بالتركيز على البنية الرقمية المتطورة، المستشفيات التعليمية الكبرى، ومراكز المحاكاة التي توفر تخصصات المستقبل (كالذكاء الاصطناعي والحاسبات).

والمهم الترويج لمنح الخريجين المدنيين شهادات معتمدة مع تراخيص مزاولة المهنة فور التخرج، مع فتح القبول بحدود دنيا تعكس الرغبة في انتقاء "نخبة العقول".

 

إمبراطورية البيزنس

يكشف مسار الأحداث الممتد منذ عام 2013 أن إنشاء "جامعة كيان" ليس خطوة معزولة، بل هو استكمال لمنظومة متكاملة من السيطرة الرأسمالية العسكرية، فدخول الجيش إلى قطاع التعليم العالي المدني يمثل تحولاً للجيش إلى "مستثمر ومنافس تجاري" مستفيداً من إعفاءاته الضريبية والجمركية، وقدرته على تجاوز العقبات البيروقراطية التي تواجه المستثمرين المدنيين في قطاع التعليم الخاص.

ويرى الخبراء أن هذا التنافس غير المتكافئ يقوض القطاع الخاص الوطني ويحرم الدولة من إيرادات ضريبية هائلة، في وقت تعاني فيه الموازنة العامة من أعباء الديون المتراكمة نتيجة الإنفاق غير المدروس على مشاريع البنية التحتية والعاصمة الإدارية الجديدة.

وتُجمع الآراء على أن الاندفاع المتسارع نحو "عسكرة الحياة المدنية" والتعليم قد يمنح النظام شعوراً مؤقتاً بالسيطرة والاستحواذ على عقول الأجيال القادمة عبر "جامعة كيان" والتدريبات الأمنية، إلا أنه في الجوهر يُعمّق الفجوة بين السلطة والشارع.

كما أن تجريد المؤسسات المدنية من صلاحياتها، وتسييس القبول الجامعي، وتحويل الجيش إلى مؤسسة تبحث عن "البزنس" وجني الأموال على حساب الكفاءة العسكرية الأساسية، يراكم احتقاناً صامتاً وغضباً شعبياً دفيناً، قد ينفجر في أي لحظة وبطرق وأشكال لا تخطر على بال غرف التخطيط الأمني داخل "الأوكتاجون".