شائعة “بلو غاز” بين فكي الديون .. السيسي يسلم خريطة الغاز المصري للأموال الإماراتية

- ‎فيتقارير

تداول ناشطون "شائعة" الناشط شريف عثمان حول شركة "بلو غاز" (Blue Gas) وزعم ملكيتها لأبناء المنقلب ،عبدالفتاح السيسي بقيمة 35 مليار دولار، وهو ما اعتبرته منصات ذكاء صناعي "وهم" و"مجرد فبركة" ولكنها ليست عابرة؛ "بل هي انعكاس مباشر لحالة من القلق العام والغموض المحيط بملف الطاقة في مصر"، بحسب "جيمناي".

الجمهور المغيب عن كواليس الاتفاقيات الرسمية يميل غريزياً لتصديق فرضيات الفساد والتربح الشخصي كـ "تفسير سهل" للأزمات المعقدة، وبحسب مراقبين تتمثل خطورة هذه الشائعة ليس في تفاصيلها المفبركة قانونياً ومالياً، بل في توقيتها؛ حيث تزامنت مع أزمة انقطاع الكهرباء وتراجع حقل ظهر، مما جعلها "طاقة غضب" استقبلها الشارع المتعطش لإجابات واضحة.

وهنا برز الحساب الشهير #البروفيسور كمنصة نقدية واكبت هذه الشائعات لتفكيك الأرقام وتحويل "الخبر الكاذب" إلى تحذير رمزي مبكر ينبه الرأي العام بأن الضغوط الاقتصادية المتراكمة قد تدفع الدولة لتنازلات سيادية غير معلنة في عصب ثرواتها الطبيعية لصالح قوى إقليمية وافدة.

كما تحمل الشائعات السياسية في طياتها دائماً قدراً من "اللاوعي الجمعي" الذي يعكس مخاوف الشارع الحقيقية وإن صيغت في قالب من المبالغة والتزييف.

https://x.com/Salah_Eldin2010/status/2046805944621744136

هندسة "الاستحواذ الناعم": "أركيوس للطاقة" وبوابة الإنقاذ الإماراتي بملياري دولار

 

في ظل هذا الضيق المالي والتراجع الفني، برزت الاستثمارات الإماراتية كلاعب إنقاذ يمتلك السيولة النقدية والقدرة على تمويل العمليات المتوقفة، وتجسد ذلك بوضوح في الإعلان عن الشراكة الاستراتيجية وتأسيس شركة أركيوس للطاقة كمنصة إقليمية جديدة للغاز.

هذه الصفقة التي تمت من خلال إغلاق مالي رسمي مثلت نموذجاً للشراكة الاستثمارية الدولية؛ حيث قامت شركة بي بي البريطانية، التي تمتلك تاريخياً حصصاً في أهم حقول ومناطق الامتياز المصرية مثل حقل ظهر وحقل أطول وشمال دمياط، بوضع هذه الأصول في شركة جديدة حملت اسم أركيوس واستحوذت فيها شركة إكس آر جي، وهي الذراع الاستثمارية التابعة لشركة أدنوك المملوكة بالكامل لحكومة أبوظبي (والتي تتقاطع مصالحها الاستراتيجية في كثير من الملفات مع عملاق المرافق شركة طاقة الإماراتية)، على استحواذ بنسبة 49% مقابل التزام بضخ استثمارات مالية ضخمة تصل إلى ملياري دولار لتطوير الآبار واستعادة مستويات الإنتاج المتراجعة خلال السنوات الثلاث المقبلة.

من الناحية القانونية والاقتصادية، لم تكن هذه الصفقة بيعاً لأصول تملكها الدولة المصرية بالأمر المباشر، بل كانت صفقة بين طرفين أجنبيين تطلبت موافقة ومصادقة وزارة البترول بحكومة السيسي والجهات التنظيمية الرسمية وفقاً لقوانين قطاع البترول التي تمنح الدولة حق الشفعة والموافقة على تعديلات الامتيازات، وقد وافقت مصر لكونها المستفيد الأول من تأمين السيولة اللازمة لاستئناف الحفر وتجنب المزيد من الأزمات في المعروض المحلي للغاز.

من "حقل ظهر" إلى تراجع الإنتاج وتراكم الديون

وشهد قطاع الغاز الطبيعي في مصر خلال السنوات الأخيرة تحولات دراماتيكية اختلطت فيها الطموحات الكبرى بالواقع الاقتصادي والجيوسياسي المعقد، حيث تحول هذا القطاع من كونه قاطرة للنمو وبوابة لتحقيق حلم المركز الإقليمي للطاقة في شرق المتوسط، إلى مساحة تتقاطع فيها الضغوط المالية المحلية مع النفوذ الاستثماري الإقليمي المتنامي، لا سيما من جانب دولة الإمارات العربية المتحدة عبر أذرعها الاستثمارية مثل (شركة أبوظبي الوطنية للطاقة) وغيرها من التكتلات الخليجية.

ولفهم الجذور العميقة للمشهد الراهن، لا بد من العودة إلى محطة حقل ظهر الذي مثل اكتشافه في عام 2015 بواسطة شركة إيني الإيطالية نقطة تحول تاريخية باحتياطيات ضخمة قُدرت بنحو ثلاثين تريليون قدم مكعب من الغاز، وقد بلغ هذا الحقل ذروة إنتاجه في عام 2019 بمعدل ناهز 2.7 مليار قدم مكعب يومياً، مما سمح لمصر بإعلان الاكتفاء الذاتي والتوقف عن استيراد الغاز المسال وبدء التصدير، غير أن هذا الصعود السريع تلاه تراجع تدريجي وحاد في مستويات الإنتاج بدءاً من عام 2022 وحتى عام 2025، حيث هبطت معدلات الإنتاج بمقدار تريليون قدم مكعب تقريباً لتصل إلى مستويات متدنية تراوحت بين 1.9 و1.3 مليار قدم مكعب يومياً، هذا التراجع الملموس يعود لأسباب فنية ومالية متداخلة، أبرزها تراكم ديون ومستحقات الشريك الإيطالي والشركات الأجنبية لدى الحكومة المصرية والتي بلغت نحو 1.6 مليار دولار، مما دفع الشركات إلى تقليص عمليات الحفر وتأجيل الاستثمارات الجديدة وتخفيف وجود سفن التنقيب، الأمر الذي أدى بدوره إلى مشاكل في إدارة ضغط المكامن وتسرب المياه لبعض طبقات الخزان في الحقل، لتجد الدولة نفسها مجدداً أمام أزمة انقطاع للكهرباء واضطرار للعودة إلى سوق الاستيراد بأسعار مكلفة ونقد أجنبي شحيح.

الحقائق القانونية لصفقة "دولفينوس"

على الجانب الآخر من المشهد، تتقاطع هذه التحركات الاستثمارية الحقيقية والمنظمة مع موجة واسعة من البروباجندا السياسية والشائعات الإعلامية التي تروج عبر منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو التابعة لبعض وجوه المعارضة.

وقال الناشط شريف عثمان: إن "النظام أسس شركة وهمية في الإمارات تحت مسمى بلو غاز تملكها عائلة الرئيس بغرض استيراد الغاز من إسرائيل بقيمة 35 مليار دولار وتحويل العمولات للخارج".

ومن خلال التحري الفني والتجاري، يتبين زيف هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، إذ لا وجود قانوني أو تجاري لمثل هذه الشركة في السجلات المصرية أو الإماراتية، والواقع أن الاتفاقية الرسمية لاستيراد الغاز تمت في فبراير 2018 بين شركات خاصة، أبرزها شركة دولفينوس هولدنج المصرية وشركات ديليك ونوبل إنرجي، بقيمة مبدئية بلغت 15 مليار دولار وجرى تعديلها لاحقاً لتصل إلى نحو 19.2 مليار دولار على مدار 15 عاماً لتسييل الغاز عبر الأنابيب المصرية وإعادة تصديره أو استخدامه محلياً!

كيف يفرض "الكاش الخليجي" قواعد جديدة للعبة؟

 

إن المقارنة العميقة بين واقعة تأسيس شركة أركيوس وشائعة بلو غاز تظهر بوضوح كيف يتحول الاقتصاد والاستثمار إلى مادة خصبة للمعارك السياسية والحروب الإعلامية، وهو ما يركز عليه دوماً ويفنده تحليل #البروفيسور.

https://web.facebook.com/photo/?fbid=966242615768892&set=a.163395782720250

فالإمارات لم تستحوذ على الغاز المصري عن طريق صفقات سرية أو شركات وهمية تعود لعمولات شخصية، وإنما من خلال ما يمكن وصفه بـ "الاستحواذ الناعم" المدفوع بقوة الكاش والاحتياج الاقتصادي للنظام في مصر؛ إذ إن الضغوط المالية الكبيرة وتراجع الإنتاج وغياب القدرة على الوفاء بمستحقات الشركاء الدوليين وضعت القاهرة في موقف المضطر لتقديم تسهيلات سريعة وموافقات لشركات خليجية عملاقة مثل أدنوك وشركة طاقة للدخول كشريك قوي يمتلك الالتزام المالي والتكنولوجي لإعادة إحياء الآبار المتوقفة.

هذا النفوذ الاستثماري المتزايد، الذي يتمدد تدريجياً في قطاعات الطاقة والموانئ والعقارات، يتجاوز الصيغ التقليدية للمناقصات العالمية المفتوحة ليأخذ طابع الشراكات الاستراتيجية المباشرة المدعومة بقرارات علوية من الإدارة السياسية، مما يجعل تداخل السياسة بالاستثمار في قطاع الطاقة المصري حقيقة واقعة تتجاوز في تعقيدها كل الشائعات السطحية لتطرح تساؤلات حقيقية ومستمرة حول الموازنة بين الحاجة لجذب رؤوس الأموال والحفاظ على مرونة القرار السيادي في إدارة الثروات الوطنية.