تفاعلات سريعة في المشهد السياسي، علقت عليها معارضة الخارج وفق ما تم تسريبه من معلومات (في الغالب من مصادر مجهولة، هل هي معارضة أم أجهزة أم مختلفون مع السلطة) وأثارت تفاعلات متشابكة تتراوح بين الميدان الواقعي والفكري الأخلاقي.
فبينما يرى مراقبون أن المعركة انتقلت إلى مرحلة "كسر الخطوط الحمراء" والمواجهة بالمثل مستندة إلى تسريبات من داخل دوائر صنع القرار، يجادل آخرون حول طبيعة هذا الصراع وما إذا كان "سياسياً بحتاً" يتطلب الانغماس في الواقعية السياسية أم أنه محكوم بضوابط وأخلاقيات صارمة تجنب أصحاب المبادئ الانجرار إلى أساليب الخصوم، مما يعكس حالة مخاض فكري واستراتيجي واسعة داخل صفوف المعارضة.
المتحدث باسم حزب "تكنوقراط مصر" د. محمد فتوح عوض Mohamed Fatouh Awad وعبر فيسبوك اعتبر أن المشهد سياسي مفتوح على كل الاحتمالات، تتحول فيه المعارضة من موقع الضحية المستهدفة إلى طرف فاعل وهجومي يعتمد على تسريبات من داخل بيت الحكم، مما ينذر بتفاقم الصراعات الداخلية والمتبادلة بين الأطراف المعنية.
ومن ذلك ما اعتبره المواجهة الجديدة التي اتسمت بكسر الخطوط الحمراء، وتصاعد حرب التسريبات، وانهيار حاجز الخوف التقليدي الذي كان يعتمد عليه النظام.
وأشار إلى أن المعارضة في الخارج غيّرت قواعد اللعبة تماماً؛ فبعد أن كانت تقضي وقتها في محاولة إثبات وطنيتها ونفي الاتهامات الموجهة لها، انتقلت إلى مربع الهجوم والند بالند والمقابلة بالمثل، ويعكس هذا التحول رغبة واضحة في عدم الاكتفاء بالتبرير، بل استخدام نفس أدوات الخصم من كشف للفضائح وتداول للمعلومات دون اكتراث بالانتقادات، مؤكدين شعار المعاملة بالمثل في لغة الخطاب والتصعيد.
التسريبات الداخلية
واستدرك ليربط هذا التغير بقدرة المعارضة على الوصول إلى معلومات دقيقة بفضل سياسات نظام السيسي نفسها، والتي أدت بحسب التقرير إلى خلق عداوات حتى داخل أقرب الدوائر المحيطة بصناع القرار.
وأضاف أن هذا الوضع أتاح الفرصة لشخصيات قريبة من مراكز صنع القرار لتسريب كميات هائلة من المعلومات والملفات حول الفساد والانتهاكات واللجان الإلكترونية.
ورأى أن هذه المصادر من المعارضة كوسيلة آمنة لنشر المعلومات تستفيد دون الكشف عن هوياتها، مما أدى بدوره إلى إحداث انقسامات وارتياب متبادل داخل صفوف النظام نفسه.
وأوضح أن أدوات التخويف السابقة التي اعتمد عليها النظام – مثل اقتحام البيوت أو القبض على الأهالي – فقدت تأثيرها الرادع، بل انعكس أثرها ليصبح سبباً في زيادة عناد المعارضة وإصرارها على الرد المضاعف، ولم تعد هناك خطوط حمراء من الجانبين، حيث شهد المشهد تداول اتهامات متبادلة، وشتايم، وتسريبات جنسية ومالية، وسط متابعة جماهيرية واسعة تفوق في تأثيرها أحياناً القنوات والصفحات الرسمية أو المؤيدة للنظام، والتي تحاول "الغلوشة" عبر نشاط مكثف للجان الإلكترونية.
ولفت إلى قيام تيارات داخل المعارضة بتجهيز قوائم وملفات شاملة تضم أسماء المتورطين في الفساد والانتهاكات والإعلام الموجه واللجان الإلكترونية، وذلك تحسباً لأي تغير محتمل في موازين القوى يسمح بمحاسبتهم مستقبلاً واسترجاع حقوق الدولة. معتبرا أن هذه الدائرة من التسريبات والتصعيد مستمرة في التوسع، مما يجعل استمرار الأوضاع على ما هي عليه أمراً بالغ الصعوبة.
وأشار الكاتب والمحلل عمار فايد Ammar Fayed على فيسبوك إلى أنه "ببساطة ومباشرة – أن ما بيننا وبين النظام المصري هو خلاف سياسي". معتبرا أن المشكلة أن بعضنا يفهم السياسة خطأ، وبالتالي يتصور أن القمع والقتل والانقلابات العسكرية والسجون والتعذيب ليست جزءًا من أدوات الصراع السياسي، حتى لو كانت هذه أدوات قذرة أو مجَرّمة.
واستدرك "لكنّها تظل ضمن الصراع السياسي، وبالتالي يخوض بعضنا التنافس السياسي متصورا أنه صندوق انتخابي وحوار عقلاني وفرص متكافئة، فإذا اصطدم بالواقع كفر بالسياسة ولعنها لأنها وفق تعريفه باتت تعني الضعف والاستكانة وقلة الحيلة، ومن ثم تغدو "السياسة" لديهم مرادفة لـ "التنازل" و"التخلي عن الحقوق"، و"التفريط"، وغير ذلك من التعبيرات التي استخدمها، ولا أحب كتابتها ولا قراءتها."
وفتح الباحث عمار فايد نقاشاً فكرياً واسعاً على منصة "إكس" ر طبيعة الصراع التاريخي والراهن بين جماعة الإخوان المسلمين (والقوى المعارضة) والنظام المصري، ومحذراً من الخلط بين "أدوات الصراع" و"سببه الحقيقي".
ورأى الكاتب أن إقحام السجون والقتل والتعذيب في المعركة هو "جريمة"، لكن استخدام الدولة لأدواتها القمعية لا يغير من حقيقة أن سبب الصراع هو السياسة، وتحديداً رفض الطرف الحاكم التخلي عن السلطة أو مشاركة الشعب في اختيار ومحاسبة من يحكمه.
ويستدعي فايد التاريخ الإسلامي ليؤكد أن الصراعات الكبرى بين الصحابة (كوقعة الجمل واستباحة المدينتين ومكة) أُديرت لأسباب سياسية بحتة ولم يُعتبرها الفقهاء "خلافاً عقدياً"، مستشهداً برد الإمام علي بن أبي طالب حين سُئل عن أهل الجمل فقال: "إخواننا بغوا علينا".
كما استشهد بتاريخ جماعة الإخوان مع السلطة المتعاقبة (من قرارات الحل في عهد السعديين، إلى استقبال المرشد الثاني، مروراً بمحنة الخمسينيات والانفتاح في السبعينيات)، ليؤكد أن تقلبات العلاقة بين الصدام والتعايش تؤكد بوضوح أن النزاع تاريخياً هو صراع سياسي بامتياز مهما بلغت درجات توحش الأجهزة الأمنية.
وختم فايد بتوجيه عتاب لبعض لغة النقاش على شبكات التواصل الاجتماعي، منبهًا إلى سهولة الطعن في النوايا وتناس التاريخ الشخصي للرموز، وهو أسلوب يختلف عما لو كان الحوار وجهاً لوجه.
وقدم عمار فايد مقاربة نقدية تدعو لضبط المفاهيم السياسية والتاريخية، معتبراً أن فهم الصراع على أنه "سياسي" يمنح المعارضة بوصلة أدق لإدارة المعركة بوعي واقعي، بعيداً عن الانجراف نحو توصيفات عاطفية أو عقدية تفقد الصراع إطاره الموضوعي.
واختصر الباحث علاء بيومي عبر @Alaabayoumi الخلاف السياسي إلى أن العلوم السياسية بها مدرسة أساسية تسمى بالواقعية السياسية تقوم على فكرة فهم موازين القوي بشكل جيد قبل التفكير في التغيير، في المقابل توجد المدرسة المثالية التي تنطلق من فهم المبادئ والقيم بالأساس وتحاول التغيير.
وأضاف أن "العالم العربي في أغلبه منطقة ديكتاتورية تسيطر عليها موازين قوى فجة، وبناء عليه أي محاولة للتغيير لا تنغمس في الواقعية محكوم عليها بالفشل.
وبسبب القمع المفرط، يهرب الناس من الواقع بالحديث عن مثاليات هي في أغلبها قشور ما أنزل الله بها من سلطان".
واعتبر أن "بداية التغيير الجاد وشبه المستحيل في بلدنا تتطلب الانغماس في الواقع الصلب المادي القاسي وفهمه قبل العوم في قشور المثاليات وأحلام اليقظة.".
وأشار إلى أن "الغالبية العظمي ستفضل العون في أحلام اليقظة وتصور انها تتحدث عن ايدولوجيا وسياسية إلخ ، وهي في الحقيقة تهرب من الواقع ومواجهته.
استمروا في أحلام اليقظة والحكاوي وقصص أبو زيد الهلالي وقشور التاريخ التي تغرقون فيها".
https://x.com/Alaabayoumi/status/2090699490281800176
لن أعض كلبا عضني
وعن تساؤل مباشر من "عبد المنعم علي": ولا يجوز لك قذف المحصنات من نساء خصومك ولو كان خصومك يفعلون ذلك، بمقال بعنوان "ولو عضني كلب فلن أعضه" على هاشتاج #تربينا_معكم
يرى أنه لابد من ضوابط للمعارضة وأخلاقيات طريق أهل الحق في مقابل لغة التصعيد والانتقام المتبادل في المشهد السياسي، يطرح عبد المنعم علي رؤية أخلاقية وفقهية حاكمة لمعارضة النظام والخصوم، معتبراً أن "طريق أهل الحق" يفرض التزاماً صارماً بقواعد الأخلاق والشرع بغض النظر عن أفعال الطرف الآخر.
ويعرب عن أن الرفض التام لمقابلة الإساءة بالمثل هو بالأساس مبدأ ويستهل الكاتب رفض الانجرار إلى استخدام نفس أساليب الخصوم في السسباب، أو "قذف المحصنات من نساء خصومك"، أو نشر الإشاعات والخوض في الأعراض بالباطل حتى وإن فعلوا ذلك.
واستشهد بسيرة سيدنا موسى
ويوظف الكاتب قصة سيدنا موسى مع رجل من قوم فرعون، موضحاً أن أفعال الطغاة والجرائم اليومية التي كان يرتكبها فرعون لم تكن مبرراً للخروج عن القصد أو ارتكاب الخطأ، مشيراً إلى اعتراف موسى بخطئه ليقطع طريق المزايدة، ومؤكداً أن "فلن يكون الطغاة والمجرمون قدوة لنا".
وعبر عن التزامه بالأخلاق في وجه الكذب والخداع ويؤكد أنه "ليس نادماً أني لم أكذب علي الناس مثله وأفوز عليه"، مشدداً على أن الدين يمنع الكذب حتى على الكاذبين، فـ "لا يكون المؤمن كذاباً"، وأن العيب في الخصم لا في الملتزم بالأخلاق.
وأضاف أن هناك حرمة لاستهداف الأسر والأولاد ورفض ظلم بيوت الخصوم أو الانتقام عبر أطفالهم رداً على ظلمهم لبيته، مستحضراً القاعدة الشرعية "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، ومؤكداً الاقتصار على الرد وفق ما يتيحه الدين والأخلاق وحده.
وعن طبيعة درب أهل الحق يفسر سبب طول المحنة وصعوبة الدرب بأن أهل الحق "ملتزمون بما لا يلتزم به غيرهم، وحتى في لعبهم ملتزمون بقواعد اللعب النظيف"، لأن الهدف الأسمى يجمع بين فوز الدنيا ونعيم الآخرة، ولا تُقبل الغاية إذا تعارضت مع ضوابط الشرع.
وفي تأويل غير مرتبط بواقع المتداول على مواقع التواصل قال السياسي العراقي فهد الجبوري عبر @fahadraad61 أنه "لا يجوز الانجرار وراء أي تصرف يُفسَّر وفق النوايا والتأويلات فالمسؤول والسياسي الصحيح يعرف أين تكمن صغائر الأمور وأين تقع القضايا الكبرى وقد يكون افتعال حدث معين مقدمة لأن يُقال لاحقاً حدث لي بسبب هذا الأمر فيتحول التفصيل العابر إلى ذريعة لنتيجة أكبر".
واعتبر أنه "لذلك فإن الانشغال بأمور واضحة وصريحة ومثبتة تاريخياً لإثبات ما هو مثبت أصلاً لا يخدم إلا إشغال الرأي العام بتفصيل عابر وصرف أنظاره عن الملفات الأهم والأخطر التي تستحق التركيز والنقاش".