تغيرت ملامح مصر بالكامل.. انكفأت الثورة على نفسها في ركن بعيد، واقتيد الشعب في الأغلال والسلاسل كالعبيد لمصلحة السفيه السيسي، وما زالت آلة القمع والقبضة الأمنية المحكمة التي جاء بها بعد الانقلاب العسكري الذي نفذه ضد محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب بعد الثورة، تسيطر على البلاد.
وتطل الذكرى الثامنة للثورة بينما تكتظ السجون بآلاف المعتقلين والشباب المشاركين في 25 يناير والداعين لها، بينما ينعم رموز المخلوع محمد حسني مبارك، ومن ثار الشعب على ظلمهم، بالحرية، فضلاً عمَّا يتجرعه الشعب من ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية سيئة.
الحقوقي والمحامي نجاد البرعي، أحد رموز التيار الفاشي الذي خاصم الإخوان، يقول إن الخلاف داخل التيار المدني والسفيه السيسي، خلافات موضوعية مشددا على أن التيار المدني قد يشرع في خلع الشرعية عن الانقلاب لو سلم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وفقًا للبرعي، ولم ينجح في الحفاظ على حدود الوطن، وهو ما لم يحدث ولن يحدث!

شقّ الصف
وفي وقت سابق أثار بيان ما يسمى بـ”الحركة المدنية الديمقراطية”، الذي أصدرته ردا على اعتقال السفير معصوم مرزوق، غضب بعض جهات المعارضة؛ لمطالبته بالإفراج الفوري عن جميع من شملتهم الحملة الأمنية الأخيرة من أصحاب الرأي، والإفراج عن جميع المحتجزين في السجون من المعارضين، متجاهلا عشرات الآلاف من المعتقلين منذ أكثر من 5 سنوات الذين تصدوا للانقلاب على شرعية الرئيس محمد مرسي.
يقول مدير المعهد الدولي للعلوم السياسية والإستراتيجية باسطنبول، الدكتور ممدوح المنير: “حرص النظام منذ بداية ثورة يناير على شقّ الصف، وكانت معركته الناجحة التي بدأ فيها هي التعديلات الدستورية، والتي عسكرت كل تيار خلف أيديولوجيته”، مشيرا إلى أن “الدفاع عن معتقلي رافضي الانقلاب من داخل مصر حاليًّا حتى كحالة إنسانية؛ كلفته عالية لا يتحملها هذا التيّار”.
وأضاف الكاتب والمحلل السياسي: “قلنا مرارا إن هذا النظام لن يرحم أحدا حتى من مؤيديه، وإنه لن يبني بقاءه واستمراره إلا على أجساد المصريين جميعا، لذلك مع تحفظاتي على البيان، إلا إنني أرحّب بأي معارضة للنظام حتى لو بسقوف لا أقبلها، المهم أن تكون معارضة حقيقية وليست موجهة”، وختم قائلا: “توحيد الصفوف في الظرف الصعب الذي يعيشه الوطن لا يكون إلا بالتنازل في المواقف لباقي الأطراف، ولكن ليس على حساب المبادئ و الثوابت”.
ولم يقذف السيسي بالمعارضين خلف القضبان فحسب، بل حتى المقربين منهم ووقفوا معه في الانقلاب على الدكتور محمد مرسي حينها، العسكريين منهم والمدنيين، لينفرد بشكل كامل بالسلطة ويسير دون منغصات وسط جدل داخل مصر بشأن نيته تغيير بنود الدستور التي تحدد ولاية الرئيس بولايتين فقط ليس أكثر كما يريدها جنرال تل أبيب، بينما لم يجد الفاشيون داخل التيار المدني من شماعة يعلقون عليها خيانتهم للثورة وللمصريين سوى تجديد الهجوم على جماعة الإخوان المسلمين، بل ومساواة الجماعة بالعسكر في سطر واحد!
وأجادت السلطة العسكرية في اصطياد وتضخيم الأخطاء لتخويف المجتمع، يقول الناشط السياسي أحمد كمال :” أخطر فصيل على الثورة المصرية ليس العسكر لأننا نعلم أن العسكر هم العدو الواضح لأي حركة تحرر وطنية..الفصيل الأخطر هم الفصيل الذي يساوي بين العسكر والإخوان الفصيل الذى يساوى بين مذابح العسكر وأخطاء الإخوان ..الذي يساوي بين من وصل للحكم على ظهر دبابة وارتكب مذابح وجرائم ضد الانسانية وبين من وصل للحكم من خلال أنزه انتخابات في تاريخ مصر وكان له أخطاء سياسية لكن مصر شهدت أكثر العصور حرية في عهدهم”.
مضيفاً:”التيار الفاشي الذي لا يؤمن بالديمقراطية إلا إذا كانت مختومة بخاتم البرادعي او حمدين او غيرهم ..هؤلاء هم عقبة حقيقية في طريق التحرر لأنهم رغم أنهم أعداء لأبسط قواعد الديمقراطية إلا أنهم محسوبين زورا على التيار المدني الوطني المعارض بحق للانقلاب ومنهم من يكتب في الصحف كمعارض للسيسي…هؤلاء يجب تسليط الضوء على فاشيتهم الفكرية وكفرهم بالديمقراطية حتى لا ينخدع أي انسان بدعواهم الزائفة لديمقراطية لا يؤمنون بها!”.

ماذا لو رجع الإخوان؟
تقول الكاتبة غيلان الحسيني:” يقف التيار المدني المصري رافضا الجلوس مع الإخوان المسلمين والتعاطي مع الخيارات المطروحة، ففي الفترة الماضية تم إطلاق الكثير من المبادرات التي تدعو للمصالحة بين التيار المدني والإسلامي، البعض منها يبدو إيجابيا والآخر غير واقعي، إلا أن المشكلة هي تعنت التيار المدني ورفضه الجلوس والتوصل إلى حل، مع أن الخلاف بينه وبين السلطة الحالية أعظم من خلافه مع تيار الإسلام السياسي”.
وتابعت:”من الصعب أن يعود مرسي أو الإخوان بشكل مطلق إلى الحكم، ولكنهم يستطيعون ذلك إذا أوجدوا كيانا يكونون هم الطرف الأقوى فيه، ويكون هذا الكيان ممثلا لجميع التيارات السياسية المصرية، ولكن بالطبع التي وقفت بجانبهم منذ الأزمة والتي ليس لها تأثير حقيقي على الأرض، ولكنهم يصلحون أن يكونوا وجهة أمام العالم لتحقيق التوافق المطلوب”.
وختمت بالقول:”على التيار المدني أن يتخلى عن تعنته وغروره وادعائه تمسكه بنقائه الثوري الذي يمنعه من الجلوس إلى الطاولة مع الإخوان المسلمين، وأن يفكر بطريقة أكثر عقلانية وبرغماتية، لأن النتائج ستكون وخيمة”.
في المقابل يعتبر الدكتور خالد سعيد، المتحدث باسم الجبهة السلفية، أن التيارات المدنية في حقيقتها، تيارات علمانية لكنها “تتوارى من سوءة هذه الحقيقة السيئة السمعة”، مضيفا أن “هذه التيارات لا تنمو في بلادنا إلا في ظل حكم الديكتاتوريات العسكرية”.
ويرى أن تلك التيارات لم تتخلَّ عن الانقلاب وإنما هو تخلى عنها، ويعتبر أن تحول التيارات العلمانية إلى المعارضة لم يتضح بعد بصورة يمكن التعويل عليها، وذلك لأن طلب المغانم لا يستوي مع بطش الآلة العسكرية المسيطرة، وإنما هناك بدايات تململ في أوساط هذه التيارات بسبب إقصاء الانقلاب لها، مشيرا إلى أن تلك التيارات لن تتحول إلى معارضة بشكل واضح، إلا إذا بات الانقلاب منتهيا بالفعل.