في كل مرة ينطلق فيها أسطول جديد لكسر الحصار عن غزة، يعود السؤال ذاته، أحيانا بصيغة يائسة، وأحيانا أخرى بنبرة ساخرة أو محبطة: ما الجدوى؟ لماذا تتكرر المحاولة ما دامت النهاية شبه معروفة؟ سفن تُعترض، متضامنون يُعتقلون، ناشطون يُضربون، وإسرائيل تمنع الوصول.. ثم ماذا؟
يبدو السؤال للوهلة الأولى منطقيا، بل وقد يبدو "واقعيا" في زمن بات فيه كثيرون يقيسون القضايا العادلة بمنطق الربح والخسارة المباشرة، وبمعيار النتيجة الفورية وحدها، لكن الحقيقة أن هذا السؤال، حين يُطرح بهذه الصيغة المجردة، لا يكشف فقط عن تشكيك في وسيلة نضالية بعينها، بل قد يكشف أحيانا عن سوء فهم أعمق لطبيعة النضال نفسه، خصوصا حين يكون الحديث عن شعب محاصر، تحت احتلال استيطاني مدجَّج بالسلاح، مدعوم من قوى دولية كبرى، ومحاط بمنظومة دعائية وسياسية عملت لعقود على تجميل صورته أمام العالم.
بصفتي ناشطا فلسطينيا، ومنسقا لحملة الأساور الحمراء لأجل الأسرى والرهائن الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ومنخرطا في أكثر من ساحة دولية دفاعا عن فلسطين، أتحفظ أصلا على سؤال "العبثية" حين يُطرح على أي شكل من أشكال الفعل المقاوم المشروع، لأن هذا المنطق نفسه لو تم اعتماده عبر التاريخ، لما قاوم أحد استعمارا، ولا واجه شعبٌ ظلما، ولا خرجت حركة تحرر واحدة إلى النور. فلو احتكم المستضعفون دائما إلى الحسابات العقلية المجردة، لكان الاستسلام هو الخيار الوحيد.
الفخ الأخطر: أن تتحول قوة المحتل إلى أداة لإقناعك بأن أي محاولة لمقاومته عبثية، أن تصبح وحشيته سببا لصمتك، لا سببا إضافيا لفضحه. من هنا، فإن تقييم أساطيل كسر الحصار فقط بناء على وصولها المادي إلى غزة أو عدمه، هو اختزال مخلّ للغاية
الكف لا يناطح مخرزا، صحيح.. لكن التاريخ كله كُتب أحيانا بإصرار ذلك الكف على ألا يستسلم للمخرز. حين يكون الاحتلال بهذه القوة، وبهذه الغطرسة، وبهذا الدعم الدولي، يصبح السؤال الحقيقي ليس: "هل ستنجح المحاولة فورا؟"، بل: "هل المطلوب أن نستسلم لأن ميزان القوة مختل؟".
هذا هو الفخ الأخطر: أن تتحول قوة المحتل إلى أداة لإقناعك بأن أي محاولة لمقاومته عبثية، أن تصبح وحشيته سببا لصمتك، لا سببا إضافيا لفضحه. من هنا، فإن تقييم أساطيل كسر الحصار فقط بناء على وصولها المادي إلى غزة أو عدمه، هو اختزال مخلّ للغاية.
نعم، الوصول مهم، نعم، إدخال المساعدات مهم، لكن اختزال المسألة كلها في هذه النقطة وحدها يشبه اختزال المظاهرة في عدد القوانين التي غيّرتها فورا، أو اختزال المقال في عدد الحروب التي أوقفها، أو اختزال الدعوى القضائية في عدد المجرمين الذين سُجنوا مباشرة.
النضال، بطبيعته، عملية تراكمية.. تراكم في الوعي، في الضغط، في كشف الحقيقة، في فضح الجريمة، وفي منع الظلم من التحول إلى واقع طبيعي مألوف. وهنا تحديدا تكمن أهمية أساطيل كسر الحصار، سواء حملت اسم "الحرية" أو "الصمود" أو أي عنوان آخر. القضية ليست اسم السفينة.. بل الرسالة التي تحملها.
هذه الأساطيل تقول ببساطة إن حصار غزة ليس أمرا طبيعيا، وليس قدرا يجب التعايش معه، وليس ملفا إنسانيا هامشيا يمكن للعالم أن يطويه بصمت؛ هي تقول إن هناك من لا يزال يرفض أن يصبح تجويع أكثر من مليوني إنسان مجرد خبر عابر.
ولعل أسطول الصمود الثاني، وما رافقه من مشاركة مئات المتضامنين، ثم اعتقال الاحتلال لـ175 شخصا، مع استمرار احتجاز اثنين من أبرز قياداته (سيف وثياغو)، يقدم مثالا واضحا على أن الاحتلال نفسه لا يتعامل مع هذه التحركات باعتبارها "عبثية". فلو كانت كذلك، لتجاهلها، لكن إسرائيل لا تتجاهلها، هي تستنفر لها، وتعتدي عليها، وتشوّهها، وتلاحق المشاركين فيها، وتبذل جهدا هائلا لمنعها. لماذا؟ لأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال وصول سفينة إلى غزة، بل في احتمال أن تتحول هذه السفن إلى مرايا أخلاقية وسياسية تكشف طبيعة الحصار نفسه.
إسرائيل التي بنت لعقود صورة لنفسها في الغرب باعتبارها "واحة ديمقراطية" و"ضحية تاريخية" و"دولة قانون"، تجد نفسها في كل مرة تواجه سؤالا محرجا: كيف لدولة تدّعي ذلك أن تعترض سفنا مدنية، وتعتقل ناشطين دوليين، وتمنع الغذاء والدواء عن شعب محاصر؟
هذه الأساطيل لا تكسر فقط الحصار البحري إن وصلت.. بل تكسر حصار الرواية حتى إن مُنعت. هي تُحرج الحكومات الغربية، وتكشف ازدواجية المعايير، وتعيد غزة إلى واجهة النقاش الدولي، وتحوّل الحصار من قضية سياسية معقدة إلى سؤال أخلاقي مباشر يفهمه الجميع: لماذا يُعاقَب شعب كامل؟ ولماذا يُعتدى على من يحاول التضامن معه؟
أما أخلاقيا، فالأمر أعمق من السياسة.. في زمن الإبادة والتجويع والعزل، ليس قليلا أن يشعر الفلسطيني في غزة أن هناك من يركب البحر من أجله، ويخاطر بحريته وسلامته ليقول له: أنت لست وحدك. هذه ليست رمزية فارغة كما يظن البعض، فالاحتلال لا يحاصر الجسد فقط، بل يحاول محاصرة المعنى، وكسر الشعور الإنساني، ودفع الفلسطيني إلى الإحساس بأنه متروك للعالم. كل سفينة تحاول الوصول هي، في أحد وجوهها، كسر لهذا العزل النفسي.
قد لا تصل كل سفينة إلى غزة.. لكنها تصل إلى الوعي العالمي، قد لا تكسر الحصار ماديا في كل مرة.. لكنها تكسره سياسيا وأخلاقيا وإعلاميا، وقد لا تفتح الميناء فورا.. لكنها تفتح ثغرة في جدار الصمت
وبالنسبة لي شخصيا، فإن معرفة سيف وثياغو، والتضامن معهما، يمنح هذه القضية بعدا أكثر عمقا. نحن هنا لا نتحدث عن عناوين مجردة، بل عن بشر حقيقيين، من خلفيات مختلفة، قرروا أن يضعوا أجسادهم في مواجهة الظلم. وجود أمثالهم يذكّرنا بأن فلسطين، رغم كل شيء، لا تزال قادرة على استدعاء الضمير الإنساني العالمي.
فهل يعني ذلك أن هذه الأساطيل وحدها ستكسر الحصار؟ بالطبع لا، لكن السؤال الأصدق: هل يعني عدم قدرتها وحدها على إنهائه أن نتوقف؟
المظاهرة وحدها لا تحرر وطنا، المقال وحده لا يوقف إبادة، القضاء وحده لا يُسقط استعمارا، والسفينة وحدها لن تنهي الحصار، لكن اجتماع هذه الأدوات، وتراكمها، واستمرارها، هو ما يصنع التحول.
الخطر الحقيقي ليس في فشل سفينة في الوصول.. بل في نجاح الاحتلال في إقناع العالم بأن المحاولة نفسها بلا معنى. حين يتوقف الناس عن الإبحار لأن الاحتلال سيمنعهم، وعن التظاهر لأن القمع متوقع، وعن الكلام لأن النتائج ليست فورية.. عندها فقط يصبح الصمت شريكا في الجريمة.
لذلك، قد لا تصل كل سفينة إلى غزة.. لكنها تصل إلى الوعي العالمي، قد لا تكسر الحصار ماديا في كل مرة.. لكنها تكسره سياسيا وأخلاقيا وإعلاميا، وقد لا تفتح الميناء فورا.. لكنها تفتح ثغرة في جدار الصمت.
لهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم: "هل أساطيل كسر حصار غزة عبثية؟"، بل: ماذا يعني أن يتوقف العالم حتى عن المحاولة؟ ففي بعض اللحظات التاريخية، يصبح الإصرار على الفعل.. بحد ذاته.. شكلا من أشكال الانتصار.