قبل أيام، فوجئ سكان عدد من المحافظات بانخفاض نسب استقبال المياه، شعر به سكان الدلتا والإسكندرية والبحيرة.
جفاف النيل
التخوفات فتحت باب العودة مجددا للكارثة الكبرى والمثارة بشأن تثبيت أقدام سد النهضة، والتي فتحت الباب لتساؤلات بشأن مدى احتمالية تكرار أزمة جفاف النيل التي وقعت في العصر الفاطمي، أو التي حدثت في الفترة من 1980إلى 1987 مع بداية حكم المخلوع مبارك، والتي ساهمت في خفض تأثيرها بحيرة ناصر.
بحسب الخبراء فإن الفترات المقبلة قد تشهد انخفاضا في منسوب المياه، لكن الأمر غير مؤكد، وهو ما يفسر طلب مصر من إثيوبيا بالالتزام بعدم تخزين المياه حال حدوث انخفاض في تدفق مياه النيل الأزرق، فيما يعرف بـ"السنوات العجاف".
من ناحيته، قال الدكتور نادر نور الدين خبير الموارد المائية ، إن "متوسط تدفقات النيل الأزرق 50 مليار متر مكعب كل عام، وأنه في حالة الفيضان الغزير قد تصل التدفقات من 80 إلى 100مليار، وهو ما طلبته مصر من إثيوبيا أن تنتظر سنوات الفيضان الغزير لتبدأ في ملء بحيرة سد النهضة".
سنوات الفيضان الشحيح
وأضاف في حديث له، في سنوات الفيضان الشحيح تنخفض تدفقات النيل الأزرق إلى نحو 25 مليار متر مكعب، خاصة أن النيل الأزرق هو نهر موسمي تسير فيه المياه من يونيو حتى شهر يناير من كل عام، وأن مصر كانت تعتمد على النيل الأبيض والقليل القادم من النهرين الأخرين في أثيوبيا عطبرة والسوباط.
وأضاف أنه لم يحدث أي جفاف إلا في العصر الفاطمي، منذ أكثر من 300 عام، وهي السنوات السبع العجاف، وهي السنوات التي جفت فيها الأنهار الثلاثة في عام واحد إلى أن جاء الفيضان الغزير.
ما الذي تتخوف منه مصر؟
يقول نور الدين إن "القانون الدولي يلزم أثيوبيا وأي دولة منبع تقيم سدا على النهر بعدة أمور، أولها المحافظة على المنشآت النهرية السابقة لهذا السد، وهو ما يتطلب الحفاظ على السدود المقامة على نهر النيل في مصر والسودان، بما لا يعطل أو يقلل كفاءة السدود، حسب ما ينص القانون الدولي للأنهار الصادر 1997، والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة 2007".
هل نحن مقبلون على السنوات العجاف؟
يقول الدكتور أحمد فوزي، أستاذ المياه بمركز بحوث الصحراء، إن المؤشرات تشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد انخفاضا في مستوى تدفق المياه، وأن الفترة من 1980 حتى 1987، لم تؤثر بشكل كبير على مصر لأسباب، أن أثيوبيا والسودان لم يستخدما المياه كما الوقت الحالي، وهو ما خفض حجم التأثيرات التي جرى علاجها من المخزون في بحيرة ناصر".
وأوضح أن مصر لديها عجز قد يتجاوز 50 مليار متر مكعب، على عكس العديد من الدول الأفريقية، وأن مصر لا تمانع بناء السد، لكنها تطالب عدم الضرر بحصتها من المياه.
وأشار إلى أن هناك قدرات يمكن احتمالها وقدرات لا يمكن احتمالها، وأنه في سنوات الفيضان إذا زاد التخزين عن 10 سنوات سينعكس سلبا على مصر، خاصة أنها ستعتمد على المخزون بحيرة ناصر.
سنوات الجمر
حدثت الأزمة خلال سبع سنوات (1980 إلى عام 1987)، حيث انخفض تدفق النيل الأزرق في تلك الفترة إلى مستوى تدفق السنوات العجاف والذي يقدر بنحو 20 إلى 25 مليار متر مكعب، وهو ما انعكس على تدفق المياه لنهر النيل، إلا أن السد العالي حد من تعرض مصر لأزمة كبيرة إثر انخفاض تدفق المياه من النيل الأزرق.
في تلك الفترة كان مخزون بحيرة ناصر 133 مليار متر مكعب عند مستوى 177.75 مترا عام 1979، انخفضت إلى 125 مليار متر مكعب عام 1980/1981 ثم واصل المخزون انخفاضه مع السحب حتى بلغ نحو 37 مليار متر مكعب عند منسوب 149.4 متر فوق مستوى البحر عام 1988 قبل بدء الفيضان في يوليو/ تموز.
وبحسب موقع "أخبار مصر" فإن التخزين حتى منسوب 147 مترا توازي نحو 31.6 مترا مكعب، وهو ما يعتبر تخزين ميت مخصص لاستيعاب ترسيب الطمي في البحيرة على مدى 500 عام.
وصل المخزون الحي للبحيرة إلى نحو 5.4 مليار متر مكعب، قبل أن يأتي الفيضان العالي الذى حدث في صيف العام 1988، ومعه رفع منسوب بحيرة ناصر إلى نحو 168 مترا توازي مخزون قدره 89.2 مليار متر مكعب منها 31 مليار متر مكعب مخزون ميت ليبقى نحو 58.2 مليار متر مكعب كمخزون حي.
إعلان مبادئ سد النهضة
في 23 مارس 2015 وقع قائد الانقلاب العسكري في مصر عبد الفتاح السيسي، وآبي أحمد رئيس وزراء إثيوبيا، والرئيس السوداني عمر البشير، وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة، بالعاصمة السودانية الخرطوم.
وكان أخطر ما في هذا الإعلان هو الاعتراف المصري بحق إثيوبيا في بناء وتشغيل السد، دون وضع أي ترتيبات تحد من تأثير تشغيل السد على حصة مصر من المياه، وإحالة هذا الملف الخطير إلى مكاتب استشارية أجنبية لتجري دراسات فنية تكسب بها إثيوبيا مزيدا من الوقت، ولا تحصل مصر منها شيئا يذكر.
وعموما فإن الطابع الرئيسي للاتفاقيات المتعلقة بمياه النيل أنها كانت اتفاقيات ثنائية ولم تكن جامعة لكل دول الحوض، كما أن معظمها تم توقيعه في عهد الاستعمار.
العطش يضرب مصر
وفي تغريدة مطولة له يقول الإعلامي الدكتور أسامة جاويش، إن "تكرار فشل المفاوضات وتعثر جلسات الحوار بين الأطراف الثلاثة مصر والسودان وإثيوبيا، كان لها تأثيرها المباشر على حصة مصر من مياه النيل الذي يعتبر شريان الحياة الرئيسي لأكثر من مائة مليون إنسان".
في مصر يعيش أكثر من أربعين في المائة من السكان على الزراعة، ما يعني أن ما يقارب الأربعين مليون مصري يعيشون تحت تهديد كبير؛ أولا بالعطش، وثانيا بنقص حاد في مياه النيل الشريان الرئيسي لآلاف الأفدنة الزراعية من شمال مصر إلى جنوبها.
ويضيف، بالعودة للوراء قليلا قبيل الانقلاب العسكري في يوليو 2013 سنجد أنه في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي وتحديدا في مايو 2013 أصدرت لجنة الخبراء الدوليين تقريرها، بضرورة إجراء دراسات تقييم لآثار السد على دولتي المصب، وقد توقفت المفاوضات بعدما رفضت مصر تشكيل لجنة فنية دون خبراء أجانب، ولكن اللافت للنظر أنه وبالتزامن مع انتخاب السيسي رئيسا للبلاد في يونيو 2014 اتفقت الدول الثلاث على استئناف المفاوضات مرة أخرى، ثم عقد بعدها بأشهر قليلة الاجتماع الأول للجنة الثلاثية بمشاركة ممثلين عن الدول الثلاث.
ويكمل، الآن لم يعد المواطن المصري يصدق تصريحات السيسي ونظامه، وبات العطش خطرا حقيقيا يطرق أبواب مائة مليون مصري، تاركة وراءها ملايين المصريين يعانون من خطر العطش وفقدان شريان الحياة الأول لهم نهر النيل.
مخاطر تشغيل سد النهضة
بعدما دخل سد النهضة مرحلة التشغيل يتوقع أن يحجز هذا السد العملاق نحو70 مليار م3 من مياه النيل الأزرق، ويعتبر النيل الأزرق الرافد الرئيسي لنهر النيل، فهو يمد النيل بنحو 86% من مياهه، أي ما يعادل نحو 72 مليار م3.
ويمكن تصور حجم الضرر إذا أخذنا في الاعتبار أن كمية المياه الواردة لمصر والسودان تبلغ نحو 84 مليار م3، وبمعنى آخر، ملء خزان السد بالمياه يمكن أن يحرم مصر والسودان عاما كاملا من مياه النيل الأزرق أو على أقل تقدير سيؤدي إلى استهلاك نحو ثلثي المخزون الإستراتيجي في بحيرة ناصر.
ويتوقع أن يؤدي انخفاض منسوب النيل إلى تأثر توربينات السد العالي، وبالتالي تفاقم أزمة الطاقة التي تضرب البلاد.
وثمة توقعات بأن تقل نسبة الطاقة المتولدة من توربينات السد العالي بنسبة 37%، بسبب انحسار منسوب النهر وتذبذب معدل جريانه، وأشارت مصادر إلى انخفاض الطاقة المولدة من السد العالي بنسب تصل إلى 40%.هذا إلى جانب تأثر الثروة السمكية والملاحة النيلية، وما يتعلق بها من سياحة وتجارة داخلية.
ومما يزيد الأمر سوءا أن مصر دخلت بالفعل مرحلة الفقر المائي ، حيث نصيب المواطن المصري من المياه (630 م3) والذي يقل عن المعدلات الدولية وهي 1000م3 سنويا، وقد كان نصيب الفرد المصري 2500 متر مكعب في عام1950،أضف الى ذلك أن هناك حاجة ملحة لاستصلاح ملايين الأفدنة لاستيعاب الزيادة السكانية المتفجرة وسد فجوة الغذاء التي تستنزف العملة الصعبة، فمصر الأولى عالميا في استيراد القمح على مدار عقود، بالإضافة إلى استيراد اللحوم والألبان والزيوت والسكر والشاي، ويتوقع أن يصل العجز المائي في مصر إلى 80% بحلول عام 2030.