مع حلول شهر رمضان المبارك الثالث عشر منذ الانقلاب العسكرى الدموى ، ضد أول رئيس مدنى منتخب الرئيس الشهيد محمد مرسى ،،تعكس القضايا التي يتعرض لها الأكاديميون والإعلاميون والناشطون في المنفى نمطًا متكررًا في الملاحقة عبر ما يسمى "محاكم الإرهاب"، اعتمادًا على تحريات أمنية دون وجود نشاط فعلي داخل مصر. هذا يفتح نقاشًا حول مدى توافر أركان الجريمة، وحول حدود الولاية القضائية المصرية في ملاحقة أشخاص غادروا البلاد منذ سنوات طويلة.
وتكشف قضية الباحثين والمعارضين المقيمين في الخارج هشاشة وضعهم، خصوصًا من كانت لهم مساهمات نقدية في قضايا سياسية أو سيادية. فبدل التعامل معهم كفاعلين في المجال العلمي، يجد بعضهم أنفسهم في مواجهة اتهامات جنائية ذات طابع أمني، ما يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع الأكاديمي في الخارج.
وتطرق تقرير حقوقي إلى ما وصفه باستخدام “الضغط غير المباشر” عبر استهداف أفراد من أسر النشطاء داخل مصر، حيث أظهر استبيان شمل 34 ناشطًا في الخارج أن 72% منهم أفادوا بتعرض ذويهم داخل البلاد لمداهمات أو استدعاءات أمنية أو قيود على السفر.
وأصدر المنبر المصري لحقوق الإنسان تقريره السنوي بعنوان “أينما ذهبوا”، متناولًا ما اعتبره تطورًا في أشكال التضييق التي يواجهها نشطاء مصريون في دول متعددة، مؤكدًا أن هذه الممارسات تهدف إلى تقييد نشاطهم السياسي والحقوقي، وإضعاف ارتباطهم بالبلاد، والتأثير على خياراتهم المتعلقة بالعودة.
واعتبر التقرير أن هذه الإجراءات تهدف إلى الضغط على النشطاء في الخارج، ودفعهم إلى الحد من نشاطهم أو التراجع عنه. كما أشار إلى حالات قال إنها تُظهر ارتباطًا بين نشاط شخص في الخارج وتعرض أقاربه لإجراءات قانونية أو أمنية في الداخل، في ما وصفه بـ“الانتهاكات بالوكالة”.
دعوات إلى تسوية شاملة
وجدد التقرير دعوته لإطلاق مبادرة رسمية لمعالجة أوضاع المصريين المقيمين في الخارج لأسباب سياسية أو حقوقية، وتأمين عودتهم دون ملاحقة، وإنهاء الإجراءات التي تؤثر على أسرهم. وأكد أن معالجة هذا الملف تتطلب إرادة سياسية وخطوات عملية تعيد دمج هؤلاء في المجتمع، وتطوي صفحة النزوح القسري.
وأشار معدّو التقرير إلى أن الأرقام الموثقة قد لا تعكس الحجم الكامل للظاهرة، بسبب تردد كثير من المتضررين في الإبلاغ عن حالاتهم علنًا، خشية تعرضهم أو أقاربهم لإجراءات انتقامية.
سياق حقوقي دولي
يأتي صدور التقرير في وقت يشهد فيه ملف حقوق الإنسان في مصر متابعة دولية مستمرة. فقد دعت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في مذكرة سابقة، إلى اتخاذ خطوات ملموسة لمعالجة عدد من الملفات الحقوقية، بينما تضمّن تقرير الاستعراض الدوري الشامل لمجلس حقوق الإنسان مئات التوصيات المتعلقة بقضايا مثل حرية التعبير، والإخفاء القسري، والإفراج عن المحتجزين على خلفيات سياسية.
وفي ظل هذه التطورات، يرى معدّو التقرير أن معالجة أوضاع النشطاء المصريين في الخارج تمثل أحد الملفات الأساسية المرتبطة بتحسين الوضع الحقوقي العام، مؤكدين أن استمرار التوتر في هذا الملف يفاقم من أزمة الثقة بين الدولة وقطاع من مواطنيها في الداخل والخارج على حد سواء.
القمع الصامت
وتحت عنوان "القمع الصامت للمصريين في المنفى" كتب د.معتز الفجيري الأكاديمي والحقوقي إنه بعد أكثر من عشر سنوات على موجة خروج المعارضين من مصر، يتساءل كثيرون عن إمكانية عودتهم الآمنة.
وأشار إلى أن السلطة لا تكتفي بردع المعارضين، بل تسعى إلى اجتثاثهم ومنع عودتهم نهائيًا وأن الخوف في المنفى ليس من الغربة بل من الملاحقة فالقلق الذي يعيشه المصريون في الخارج لا يرتبط بالمنفى ذاته، بل باستمرار الملاحقة الأمنية العابرة للحدود بحسب أستاذ مساعد ورئيس برنامج حقوق الإنسان في معهد الدوحة للدراسات العليا.
ولفت إلى تقرير "المنبر المصري لحقوق الإنسان" الذي كشف اتساع هذه الظاهرة في ظل غياب قيادة دولية فاعلة في مجال حقوق الإنسان.
واعتبر أن القمع ليس عشوائيًا، بل يعتمد على تنسيق بين أجهزة رسمية وغير رسمية وبهدف إقصاء المعارضين سياسيًا ومنع أي إمكانية لعودتهم.
واعتبر أنه في ظل غياب الحياة السياسية داخل مصر، ترى السلطة أن بقاء المعارضين خارج البلاد يضمن السيطرة الأمنية الكاملة وأنه رغم إطلاق مبادرات مثل الحوار الوطني عام 2022، ازداد القمع ضد المصريين في الخارج بحسب الفجيري.
وأشار إلى أن أبرز الانتهاكات التي تواجه المصريين في المنفى الحرمان التعسفي من وثائق الهوية (جوازات سفر، بطاقات، شهادات ميلاد) وترهيب الأسر داخل مصر واعتقال أقارب النشطاء كما حالة اعتقال والد المدون سيف الإسلام عيد وتعذيبه ونضيف له اعتقال أشقاء الإعلامي معتز مطر واليوتيوبر عبدالله الشريف وشقيق سامي كمال الدين.
ولفت إلى أنه في نطاق القمع يبرز دور السفارات واتحادات المصريين في الخارج حيث إن هناك تعاونًا بين هذه المؤسسات (السفارات والقنصليات المصرية) و(اتحادات المصريين في الخارج الخاضعة للأجهزة الأمنية) بتعاون يشمل التجسس على النشطاء والاعتداء عليهم خلال زيارات مسئولين مصريين لأوروبا وجمع معلومات عن تحركاتهم وأنشطتهم
كما أشار إلى استخدام سلطات الانقلاب لآليات الإنتربول لإدراج معارضين في قضايا رأي ذات دوافع سياسية وأن ذلك أدى إلى عمليات توقيف وتسليم من دول لا تراعي معايير العدالة.
ولفت المقال إلى أن رئاسة الإنتربول بين 2021–2025 كانت لضابط إماراتي، ما يعكس سياقًا إقليميًا مساعدًا.
وعن مبادرات إطلاق المعتقلين المحلية لفت إلى محاولات محدودة داخل مصر، مثل مبادرة محمد أنور السادات، تعرضت لضغوط حتى اختفت وعلق قائلا: "الدولة لا تبدو راغبة في مصالحة شاملة أو معالجة مشكلات المنفيين".
أحمد عبدالباسط
شهدت السنوات الماضية ملاحقة عدد من الأكاديميين والباحثين المصريين المقيمين في الخارج، في سياق يتقاطع مع ما تعرض له الدكتور أحمد عبدالباسط. فقد واجه بعضهم قرارات فصل من الجامعات، أو إدراجًا في قضايا أمنية، أو حرمانًا من الوثائق الرسمية، أو ضغوطًا على أسرهم داخل مصر. وتأتي هذه الإجراءات غالبًا بعد مواقف نقدية أو مشاركة في نقاشات عامة حول قضايا سياسية أو حقوقية.
والدكتور أحمد عبدالباسط محمد لم يعد مرتبطًا بأي جامعة مصرية منذ فصله في عام 2015، وبعد خروجه من مصر حصل على زمالات أكاديمية وبحثية في مؤسسات دولية، من بينها جامعة برينستون (Princeton University) في الولايات المتحدة، حيث عمل باحثًا زائرًا في أحد برامج العلوم السياسية والدراسات الشرق أوسطية.
كما ارتبط لاحقًا ببرامج أكاديمية وبحثية في جامعات ومراكز أخرى في أوروبا والولايات المتحدة، ضمن مسارات ما بعد الدكتوراه والزمالات البحثية.
وهو ليس عضو هيئة تدريس دائم في جامعة واحدة الآن، بل يعمل ضمن مسار الباحثين الزائرين والزمالات الأكاديمية، وهو وضع شائع بين الأكاديميين المصريين في المنفى الذين انقطعت صلتهم المؤسسية بجامعاتهم الأصلية.
تقادم الخطيب
وتبرز أيضا حالة الأكاديمي تقادم الخطيب الذي وبعد 12 عامًا من وجوده في المنفى، وجد نفسه أمام تطور قضائي خطير، بعدما كشف المحامي خالد علي عن إحالته إلى المحاكمة أمام دوائر الإرهاب. تأتي الإحالة في إطار قضية قديمة أعيد فتحها، وتضم اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية والمشاركة في اتفاق جنائي، رغم أن الخطيب يعيش خارج مصر منذ عام 2013، ما يثير تساؤلات حول الأساس القانوني لملاحقته.
بدأت معاناة الخطيب منذ عام 2017 حين اتخذت السلطات إجراءات إدارية أنهت بعثته الدراسية وقطعت منحة الدكتوراه التي كان يحصل عليها، مع مطالبته بالعودة الفورية إلى مصر. رفض العودة وأكمل دراسته حتى حصل على الدكتوراه، لكن ذلك تبعه قرار بفصله من الجامعة وإلزامه برد قيمة المنحة، في سياق بدا مرتبطًا بمواقفه العلنية ومساهمته في توثيق ملف تيران وصنافير، أكثر منه بخلافات أكاديمية.
تفاقمت الضغوط لاحقًا عبر التضييق على أوراقه الرسمية، إذ واجه صعوبات في استخراج جواز السفر والبطاقة الشخصية، ما أثّر على وضعه القانوني واستقراره المهني في الخارج. وتصف منظمات حقوقية هذه الإجراءات بأنها شكل من العقاب غير المباشر، يهدف إلى محاصرته وإضعاف قدرته على العمل والتنقل، رغم عدم وجود أحكام قضائية ضده قبل قرار الإحالة الأخير.
قوائم الإرهاب
وشهدت الساحة الحقوقية المصرية خلال السنوات الأخيرة توسعًا في استخدام قوائم الإرهاب كأداة قانونية لملاحقة معارضين أو ناشطين، سواء داخل البلاد أو خارجها. وفي هذا السياق، برزت قضية أنس حبيب وشقيقه طارق بوصفها مثالًا جديدًا على هذا النمط من الإجراءات، حيث جرى إدراج اسميهما على قوائم الإرهاب بقرار قضائي استند إلى تحريات أمنية واتهامات تتعلق بالانضمام إلى جماعة محظورة أو دعم أنشطة معارضة.
يمثل هذا الإدراج خطوة ذات تبعات واسعة، إذ يترتب عليه تجميد الأموال، والمنع من السفر، وحرمان الشخص من عدد من الحقوق المدنية، فضلًا عن وصمة اجتماعية وقانونية يصعب محوها. وغالبًا ما تصدر هذه القرارات في سياق قضايا جماعية تضم عشرات المتهمين، دون تقديم أدلة مادية واضحة على نشاط فعلي أو مشاركة مباشرة في أعمال عنف.
من منظور حقوقي، تُعد هذه القرارات امتدادًا لنهج أوسع يستهدف أفرادًا لهم ارتباطات عائلية أو اجتماعية بشخصيات معارضة، أو سبق لهم التعبير عن مواقف سياسية. وفي حالات مشابهة، يكون الإدراج جزءًا من ضغوط أوسع تشمل الملاحقة القضائية أو التضييق على الأسرة داخل مصر، ما يجعل القرار أداة عقابية أكثر منه إجراءً جنائيًا قائمًا على معايير الإثبات.