بهدف السيطرة على العمال وكتم أنفاسهم.. تعديل قانون النقابات العمالية

- ‎فيحريات

تسعى حكومة الانقلاب الي تعديل قانون المنظمات النقابية العمالية، وعندما تتحرك هذه الحكومة لتعديل أي قانون تأكد انه من اجل زيادة التحكم والسيطرة وكتم الانفاس وتقييد ما هو متاح واغلاق ما تبقى من نوافذ، حيث لم تتوقف الاحتجاجات العمالية طوال السنوات الماضية في ظل تردي الأوضاع المعيشية وفقدان الامل في تحسن ظروف الحياة في ظل حكومات الانقلاب المتعاقبة، ويوما بعد يوم تزداد الحياة قسوة على الطبقة العاملة التي لا يوجد لها ظهير يحميها ولا قوه تمنعها.

وتصدرت مسألة تعديل قانون المنظمات النقابية العمالية رقم213 لسنة2017 المناقشات الدائرة حول عدة مسارات منها تمديد الدورة النقابية من أربع الي خمس سنوات إضافة الي توقيت الانتخابات المقررة في مايو المقبل.

وأثارت هذه النقاشات جدلا حول استقلالية النقابات وقدرتها على حماية حقوق العمال والعلاقة بين الدولة والتنظيمات النقابية، ويكتسب النقاش حول التعديلات الحالية أهمية خاصة في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية غاية في التعقيد للطبقة العاملة مع استمرار الاحتجاجات المطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل.

وتهدف التعديلات إلى مراجعة الأثر التشريعي للقانون بعد سنوات من تطبيقه "وفق لجنة القوي العاملة"، وفي المقابل هناك نقابيون مستقلون يرون فيها محاولة للسيطرة على الحركة النقابية والتحكم في تجديد قياداتها، في ظل هياكل نقابية تقليدية تخضع بشكل كبير للاتحاد العام لنقابات عمال مصر.

  وأظهر النقاش ان هناك مسارين بخصوص الانتخابات يقضي الأول بمد الدورة الحالية حتى الأول من نوفمبر 2026، مع تطبيق الدورة الجديدة ذات الخمس سنوات اعتباراً من نوفمبر 2027. أما المقترح الثاني، فيتمثل في تمديد الدورة عاماً كاملاً، على أن تُجرى الانتخابات في الأول من أكتوبر 2027، مع التأكيد أن مسألة تعديل مدة الدورة ستحسم تشريعياً قبل بدء الدورة الجديدة.

ويهدف القانون في أصله إلى تنظيم العمل النقابي وحماية حق التنظيم. لكنه منذ تطبيقه، لم يخفِ محدودية أثره في تعزيز استقلال النقابات وضمان حرية العمال في تكوين تنظيماتهم وتبقى الانتخابات النقابية محطة أساسية لمشاركة العمال في إدارة شئونهم.

النقابات المستقلة واتحاد العمال

تباينت ردود الفعل حول مقترحات تعديل القانون بين ترحيب رسمي وتحفظات حادة من نقابات مستقلة ومنظمات حقوقية على الصعيد الرسمي، رحبت بعض الهيئات التابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر بتمديد الدورة النقابية إلى خمس سنوات، معتبرة أن ذلك يمثل فرصة لتعزيز استقرار الهيئات القيادية وتمكينها من تنفيذ برامجها واستراتيجياتها، خاصة في ظل ما يصفونه بضرورة انسجام العمل النقابي مع الإطار العام للدولة.

وعبّرت نقابات مستقلة عن مخاوف جدية من أن التعديلات قد تُستَغل لتعزيز نفوذ الهياكل التقليدية، وتقليص فرص التجديد الديمقراطي داخل النقابات، خاصة في ظل استمرار تدخل الدولة والجهات الإدارية في عملية الإشراف على الانتخابات. وشددت دار الخدمات النقابية والعمالية على أن القانون، منذ صدوره، وضع قيودا كبيرة على حرية تشكيل النقابات، إلى جانب افتقاد ضمانات كافية لممارسة التعددية الديمقراطية، ما يجعل أي تمديد للدورة مسألة مثيرة للجدل، خاصة إذا لم يُصاحَبه حوار شامل يضمن مشاركة كل الأطراف المعنية.

يعكس هذا التباين صراعاً بين نموذج مركزي يهيمن عليه الاتحاد العام، وجهود النقابات المستقلة لتأمين حرية التنظيم والمشاركة الديمقراطية لأعضائها، في ظل تدخلات إدارية وأمنية تؤثِّر على سير العمل النقابي، ويبدو الاتحاد العام، بحكم بنيته، أقرب إلى كونه قناة تنظيمية تعكس أولويات الدولة، أكثر من كونه مساحة مستقلة للتعبير عن مصالح العمال.

 وفي المقابل، تحاول النقابات المستقلة على الرغم من القيود، الدفع نحو نموذج مختلف يقوم على إعادة تعريف دور النقابة باعتبارها أداة تفاوض وضغط حقيقي لصالح العمال غير أن هذا الطموح يصطدم في كثير من الأحيان بهيكل قانوني وإداري يُبقي الحركة النقابية داخل حدود مرسومة سلفاً.

على الأرض، يتضح حجم الضغوطات التي يواجهها العمال في ظل حراك عمالي مستمر، حيث تشهد مصر في الآونة الأخيرة موجة احتجاجات عمالية امتدت عبر قطاعات متعددة، كما جسدت استياءً جماعياً من تدهور ظروف العمل والأجور المتأخرة والتأمينات غير المنتظمة، والحراك أيضاً يسلط الضوء على أزمة هيكلية في العمل النقابي نفسه، تتعلق بقدرته على حماية الحقوق الأساسية للعمال، وضمان مشاركتهم الفاعلة في صياغة شروط عملهم ومستقبلهم الاجتماعي.

في ميناء "سفاجا"، تقدم حوالي 250 عاملاً بشكاوى من تدهور ظروف العمل، بعد تغيير الشركة المتعاقدة، إذ توقف صرف الرواتب وأُلغيت التأمينات الاجتماعية التي كانت تُصرف بانتظام لعقد كامل، مع فرض رسوم إضافية على العمال، تحت عناوين من مثل "الزي والمظهر"، أو استخراج تصاريح العمل.

وفي شركة "وبريات سمنود"، عكس الإضراب الذي نظَّمه العمال، رفضهم للعرض الجزئي بصرف 1300 جنيه، حجم الاستياء من تأخر صرف الأجور وتقسيمها على دفعات غير منتظمة، مؤكدين أن هذا النمط من التصرفات يُعبِّر عن سياسة الشركة في تأجيل الحقوق، وتقليص الاستقرار المعيشي للعمال، في ظل استمرار تراجع الالتزام بالقوانين.

وفي مدينة العبور، فقد شهدت شركة "تي آند سي" ممارسات تعسفية شملت فصل عدد من العمال ووقف التأمينات، وإجبار البعض على تقديم استقالات، واحتجاز بعض العاملات داخل مقر العمل.

وبلغ إجمالي عدد الاحتجاجات العمالية في مصر خلال عام 2025 حوالي 78 احتجاجاً عمالياً، وهو رقم يعكس ارتفاعاً كبيراً مقارنة بعام 2024 الذي سجّل 38 احتجاجاً، أي بزيادة فاقت 100 في المئة في عدد الفاعليات الاحتجاجية، ولم تقتصر الاحتجاجات على موقع جغرافي واحد أو قطاع بعينه، بل تم تنظيمها في 18 محافظة مختلفة داخل مصر.

وأوضح تقرير المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الانسان أن الغالبية العظمى من هذه الاحتجاجات اتسمت بطابع اقتصادي مباشِر، حيث تقدمت بمطالب، من مثل: تحسين الأجور، تطبيق الحد الأدنى للأجور، دفع مستحقات مالية متأخرة، ما يشير إلى ضغوط اقتصادية تُحاصر العمال، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية.

في مقابل التركيز الحالي على تعديل مدة الدورة النقابية أو توقيت الانتخابات، تخرج دعوات من داخل الأوساط النقابية لإعادة النظر في القانون بشكل أشمل، فالتجربة العمالية منذ 2017، بحسب هذه الرؤى، كشفت عن مشكلات لا يمكن معالجتها من خلال تعديلات جزئية.

من بين أبرز الإشكاليات، استمرار القيود المرتبطة بتأسيس النقابات، سواء من حيث الاشتراطات العددية العالية أو الإجراءات الإدارية المعقدة، مما يعيق قيام تنظيمات جديدة، خاصة في القطاعات الصغيرة أو غير المنتظمة، ومن جهة أخرى، يُطرح تساؤل عن مدى كفاية الحماية القانونية للنقابيين، إذ تشير شكاوى متعددة إلى تعرض بعضهم لإجراءات تعسفية، مثل منعهم من ممارسة أنشطة النقابة، أو تجميد نشاط لجانهم كما حدث مع نقابة "العاملين بأندية هيئة السويس."

القانون الحالي، على الرغم من إقراره من حيث المبدأ بفكرة التعددية النقابية، لا يوفِّر في التطبيق ضمانات كافية لوجود أكثر من تنظيم فعّال داخل القطاع نفسه، وهو ما يجعل المنافسة النقابية محدودة عملياً، ويُبقي مساحات واسعة من التمثيل تحت سيطرة كيانات بعينها.

من بين أبرز الإشكاليات، استمرار القيود المرتبطة بتأسيس النقابات، سواء من حيث الاشتراطات العددية العالية أو الإجراءات الإدارية المعقدة، مما يعيق قيام تنظيمات جديدة، خاصة في القطاعات الصغيرة أو غير المنتظمة، ومن جهة أخرى، يُطرح تساؤل عن مدى كفاية الحماية القانونية للنقابيين أنفسهم. حيث تشير شكاوى متعددة إلى تعرض بعضهم لإجراءات تعسفية.

وتطرح مسألة العضوية إشكاليات إضافية، إذ ترتبط في كثير من الأحيان بعلاقة العمل الرسمية داخل منشآت محددة، ما يُضعِف قدرة فئات واسعة من العمال، خاصة في الاقتصاد غير الرسمي أو في الأعمال المؤقتة، على الانخراط في أي شكل من أشكال التنظيم النقابي، وهناك تراجع في معدلات المشاركة الفعلية في الأنشطة النقابية، سواء بسبب ضعف الثقة في جدوى العمل النقابي، أو نتيجة القيود المفروضة على الحركة داخل هذه التنظيمات.

ضعف التمويل وغياب الدعم

ويظل التمويل النقابي أحد الجوانب الأقل تناولاً في النقاش العام، على الرغم من تأثيره المباشر على استقلال القرار داخل التنظيمات، فاعتماد العديد من النقابات على موارد محدودة، أو على قنوات تمويل مرتبطة بهياكل أكبر، يقيد قدرتها على التحرك بحرية، خاصة في ظل غياب آليات واضحة لدعم النقابات المستقلة أو تمكينها اقتصادياً.

مسألة العضوية نفسها تطرح إشكاليات إضافية، إذ ترتبط في كثير من الأحيان بعلاقة العمل الرسمية داخل منشآت محددة، ما يُضعف قدرة فئات واسعة من العمال، خاصة في الاقتصاد غير الرسمي أو في الأعمال المؤقتة، على الانخراط في أي شكل من أشكال التنظيم النقابي. كما تشير تجارب السنوات الأخيرة إلى تراجع معدلات المشاركة الفعلية في الأنشطة النقابية، سواء بسبب ضعف الثقة في جدوى العمل النقابي، أو نتيجة القيود المفروضة على الحركة داخل هذه التنظيمات.

يتجاوز ما يجري حدود نصوص القوانين أو تفاصيل التعديلات المطروحة، بل يدور الأمر حول طبيعة المجال النقابي نفسه، ومن يملكه، ومن يحدد قواعده فالقضية هنا لا ترتبط فقط بمدة دورة نقابية أو موعد انتخابات، بقدر ما ترتبط بقدرة العمال على امتلاك أدوات تنظيمهم، من دون أن تتحول هذه الأدوات إلى هياكل شكلية لا تعكس واقعهم.