مراقبون: الفشل الاقتصادي في مواجهة صدمات الغذاء والطاقة ينجح برفع معدلات الفقر

- ‎فيتقارير

 

عند استعراض خارطة الفقر في مصر منذ عام 2013/2014، نجد منحنى صاعداً يعكس أثر السياسات الاقتصادية المتبعة، وبينما كانت نسبة الفقر في عام 2012/2013 تقف عند 26.3% (حوالي 22 مليون شخص)، بدأت الارتفاعات المتتالية تزامناً مع ما زعم العسكر أنها إجراءات "الإصلاح" الهيكلي صحبها منذ 2016 التعويمات المتكررة للجنيه، والتي أفقدته أكثر من 600% من قيمتها منذ 2014.

سجلت البيانات الرسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2017/2018 أعلى مستوى مسجل آنذاك بنسبة 32.5%، ورغم الانخفاض الطفيف في 2019/2020 لتصل إلى 29.7%، إلا أن توالي صدمات التضخم والتعويمات الإضافية (2022-2024) أعاد الفقر لمساره التصاعدي.

تشير تقديرات البنك الدولي لعام 2021 إلى وصول النسبة لـ 33.5%، بينما تؤكد التوقعات الحالية لعام 2025-2026 أن النسبة تجاوزت 35.7%، مع تقديرات غير رسمية تشير إلى أن نحو 60 مليون مصري (أكثر من نصف السكان) أصبحوا يقعون فعلياً تحت خط الفقر أو في منطقة "العرضة للفقر" وهي تقديرات منسوبة للنبك الدولي أيضا قال: إن " 60% من الشعب تحت خطر الفقر وذلك بناء على أرقام سلمها الجهاز المركزي للإحصاء للبنك ولم يمررها للصحفيين والإعلام منذ2020".

مصر بين ضغط الدولار والسياسات المالية

ومع الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، يتوقع أن تؤدي زيادة أسعار النفط عالمياً إلى ضغط إضافي على سعر الصرف وتوليد طلب أكبر على الدولار، وفي هذا السياق، تشدد أستاذة الإحصاء هبة الليثي على أن الاكتفاء بالمؤشرات الكلية قد يخفي واقعاً قاسياً، فقياس "الفقر النقدي" هو السبيل الوحيد لفهم كيف تآكلت القوة الشرائية تحت وطأة غلاء الأساسيات.

ومن جانبه، يضيف الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن الموازنة العامة تحولت لأداة "جباية" لسداد الديون بدلاً من أن تكون أداة تنمية؛ حيث تستهدف الموازنة زيادات ضخمة في الضرائب تصل لـ 51% من المرتبات و42% من الرخص والسيارات، مما يحول جيب المواطن إلى الحل الأسهل لسد فجوة السيولة.

فقر متعدد الأبعاد

ولا يتوقف الأمر عند الفقر النقدي، بل يمتد لـ "الفقر متعدد الأبعاد" الذي أثر على 21% من السكان (أكثر من 24 مليون شخص) في 2022، مع وجود 6.1% إضافية عرضة لهذا النوع من الفقر الذي يمس قطاعات التعليم والسكن والتوظيف.

ويشير الدكتور إبراهيم نوار في مقالاته المنشورة عبر حسابه على فيسبوك إلى أن الدولة استنزفت مواردها في مشروعات بنية تحتية وطرق لا تدر عائداً سريعاً، في وقت شهد فيه الدعم المباشر ومخصصات التعليم والصحة انخفاضاً حقيقياً قياساً بالتضخم، حيث يذهب كل جنيه للصحة والتعليم مقابله 4 جنيهات لسداد فوائد الديون فقط.

لماذا فشلت برامج الحماية في كبح التضخم؟

 

رغم إطلاق برامج مثل "حياة كريمة" و"تكافل وكرامة"، والمدعومة من البنك الدولي، إلا أن أثرها ظل محدوداً أمام طوفان التضخم الذي وصل لمستويات 40%. إن التعويمات المتكررة رفعت أسعار الغذاء بنسب تفوق قدرة أي دعم نقدي على التعويض، فالمقارنة بين ما قبل 2014 وما بعدها كاشفة؛ إذ كان الفقر يرتفع تدريجياً (من 16.7% عام 2000 إلى 26.3% عام 2013)، لكن الوتيرة تسارعت بشكل حاد نتيجة صدمات السياسة النقدية والاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي لسداد ديون قديمة أو تمويل مصروفات سيادية ومظهرية.

مواجهة 2026

البنك الدولي حذر حكومة السيسي من مواجهة أزمة خارجية "منفصلة" عن سياساتها، بل تواجه نتيجة مباشرة لاعتمادها الطويل على الاستيراد والديون، إن كل برميل نفط أغلى في 2026 يترجم إلى "دولار أصعب" وسلعة أغلى، مما يترك الفئات الأضعف بلا حماية حقيقية في اقتصاد مكشوف تماماً، الأزمة الحقيقية ليست في الصدمة الخارجية فحسب، بل في غياب المصدات المحلية القادرة على حماية المواطن، وفي هيكل موازنة تعطي الأولوية لخدمة الدين والمصروفات الإدارية (التي بلغت 289 مليار جنيه في بند المصروفات الأخرى) على حساب حقوق المصريين في التعليم والصحة والحياة الكريمة، عام 2026 يضع الإدارة الاقتصادية أمام اختبار وجودي: إما تغيير جذري نحو الإنتاج والتنمية البشرية، أو الاستمرار في دوامة الفقر والديون التي لا تنتهي.

وبينما يترقب العالم مسارات التعافي الاقتصادي، يضع خبراء الاقتصاد ومؤسسات التمويل الدولية عام 2026 تحت مجهر الرصد، محذرين من موجة تضخمية عالمية جديدة قد تعيد صياغة واقع المعيشة في الدول المستوردة، وعلى رأسها مصر، وأن الأزمة القادمة ليست مجرد أرقام جافة في بورصات النفط، بل هي سلسلة من الضغوط العنيفة التي تبدأ من حقول الطاقة وتصل مباشرة إلى "موائد الفقراء"، لتعمق جراح الفقر التي اتسعت رقعتها بشكل غير مسبوق خلال العقد الأخير نتيجة سياسات الاعتماد المفرط على الاقتراض والجباية.

حلقة التضخم المفرغة

ويربط الخبير الاقتصادي ممدوح الولي في مقالاته بين فاتورة الواردات المصرية والتقلبات العالمية في أسعار الغذاء والطاقة؛ فالدول المستوردة تفتقر لهوامش المناورة أمام موجات السعر الخارجية، هذا الربط أكده البنك الدولي في توقعاته لعام 2026، حيث يتوقع ارتفاع أسعار السلع العالمية بنحو 16%، مدفوعة بزيادة حادة في أسعار الطاقة بنسبة 24%.

وهذا المسار برأيه يربط تكلفة الوقود بتكلفة الإنتاج والنقل في حلقة تضخمية واحدة، مما يعني أن المواطن المصري سيدفع ثمن ارتفاع النفط مرتين: مرة في تكلفة المواصلات المباشرة، ومرة أخرى في أسعار السلع الغذائية التي تعتمد في دورتها الإنتاجية على الطاقة والوقود.

وتكمن إحدى أخطر زوايا الأزمة في القفزة المتوقعة لأسعار الأسمدة بنسبة 31%. هذا الارتفاع يضع البلاد أمام خطرين متزامنين: ارتفاع تكلفة الزراعة المحلية، وزيادة فاتورة استيراد الغذاء، مما يضغط على احتياطيات العملة الصعبة ويؤدي لغلاء الزيوت والقمح، وكما يشير الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، فإن هذه الموجات تنعكس مباشرة على هبوط المستوى المعيشي، حيث يقع العبء الأكبر على عاتق الفئات الأقل دخلاً التي تنفق أكثر من نصف دخلها على الغذاء الأساسي والسلع الضرورية.