ليس لصالح مصر ولا لصالح هدوء سياسي وخلق استقرار مجتمعي، إنما من أجل انتخابات 2024 وهروبا من اشتعال الأوضاع السياسية والاقتصادية إثر انفجار شعبي بات قريبا، وفق تقديرات مواقف استخباراتية، إثر تفاقم أزمات أسعار الغذاء والدواء والمواصلات والنقل والملابس والوقود والكهرباء، ومع اقتراب مصر من القرض الجديد من صندوق النقد الدولي الذي يتوقع معه أن تحدث الكارثة الكبرى بانهيار قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية ليصل حدودا غير مسبوقة في التاريخ المصري، ووسط انتقادات دولية لانتهاكات حكومة السيسي الحقوقية ضد المصريين، باتت دعوات الحوار السياسي بين القوى الوطنية مجرد مسكن لتهدئة الأوضاع من حول السيسي التي قد تخرج عن السيطرة ، وسط تململ بعض الجهات الأمنية من استمرار سياسات السيسي الضاغطة على الشارع المصري، الذي بات قنبلة قابلة للاشتعال في أي لحظة.
ومؤخرا، كشفت مصادر سياسية أن الترتيب لحفل الإفطار وجلسات الحوار المقرر عقدها بعد عيد الفطر، بدأ بعقد قيادات بجهاز سيادي عدة لقاءات قبل وبعد إفطار السيسي مع عدد من أفراد القوى السياسية والحزبية وعلى رأسهم حمدين صباحي وآخرين لمطالبتهم بحضور حفل الإفطار والمشاركة في الفعاليات الرسمية للدولة خلال الأيام المقبلة.
وهو ما قابله "صباحي" والقيادات الحزبية الأخرى، كالصحفي خالد داود باشتراط خروج المعارضين السياسيين من السجون وعلى رأسهم حسام مؤنس عضو حزب التيار الشعبي، وزياد العليمي عضو حزب المصري الديمقراطي، والصحفي هشام فؤاد، والمحامي محمد الباقر، والمدون محمد أكسجين وآخرين.
وقد أبدى ممثلو الجهاز السيادي استجابة لمطالب صباحي والقوي اليسارية والناصرية الأخرى، بشرط أن يلتزم كل من سيفرج عنه من النشطاء الصمت وعدم توجيه الانتقادات للسلطة.
وأوضح أحد المصادر أنه عقب حفل الإفطار، عقد اجتماع مغلق جمع قيادات بالجهاز السيادي وكل من حمدين صباحي وخالد داوود وجورج إسحاق وطارق العوضي وفريد زهران ، للحديث عن الإجراءات المقبلة وجدول أعمال جلسات الحوار وخروج المساجين السياسيين.
وهو ما تبعه الإعلان عن إعادة تفعيل وتشكيل لجنة العفو الرئاسي، التي سبق وشكلها السيسي في أكتوبر 2017، لتضم المحامي طارق العوضي، وكمال أبوعيطة القيادي بحزب الكرامة ، إضافة إلى أعضائها القدامى محمد عبد العزيز، وطارق الخولي عضوا مجلس نواب العسكر عن تنسيقية شباب الأحزاب، وعضو لجنة الإنقاذ الأسبق، كريم السقا.
وهو ما اعتبره المصدر خطوة من السلطة للاعتماد على قيادات وكوادر سياسية جديدة لإدارة المرحلة القادمة السابقة على الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2024، فيما اعتبره مصدر آخر وسيلة لتهدئة الوضع والرأي العام ، لأننا داخلون على أزمة اقتصادية وزيادة كبيرة في الأسعار.
لافتا إلى أن الإعلان عن تشكيل جديد للجنة العفو الرئاسي تزامن مع عدم حضور رئيس حزب الإصلاح والتنمية محمد أنور السادات للحفل، وكان السادات يتوسط بين القوى السياسية المعارضة والسلطة في مسألة الإفراج عن المساجين السياسيين في الآونة الأخيرة.
وأوضح خالد داود، أنه لإثبات حسن النية، طالب الجهات الأمنية بالإفراج عن قائمة تتضم 33 اسما، من بينهم 25 مسجونا احتياطيا، وثمانية صدر بحقهم أحكام مثل حسام مؤنس وزياد العليمي وعلاء عبد الفتاح ومحمد أوكسجين وأحمد دومة وفاطمة رمضان.
وخلال حفل الإفطار، تطرق داود خلال حديثه مع الجهات الأمنية المعنية، إلى ضرورة إطلاق سراح سجناء الرأي، وأن يكون الحوار الوطني قاصرا على الفاعلين "ميبقاش مدعو فيه مئات الأشخاص علشان نقدر نتكلم ونطلع بحاجة حقيقية"، فضلا عن خروج الحوار بأجندة محددة ولها نطاق زمني واضح، بالإضافة إلى فتح مجال لحرية الصحافة وإيقاف حجب المواقع الصحفية.
وتوقع رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، مدحت الزاهد، لـ«مدى مصر» أن تتضمن جدول جلسات الحوار المجتمعي المرتقبة، طرح بدائل واقعية للتعاطي مع الأوضاع الاقتصادية الحالية إلى جانب آليات رفع القيود عن الحريات السياسية ورفع الحجب عن المواقع الصحفية وتعديل قوانين الحبس الاحتياطي وتحريمها في قضايا الرأي، إلى جانب تعديل نظم الانتخابات الحالية وتعديل التشريعات التي تتضمن إجراء الانتخابات بنظام القائمة المغلقة، وإجراء الانتخابات بنظام الفردي والقوائم النسبية، مضيفا هناك انتخابات محلية متأخرة منذ أكثر من عشر سنوات، و«المحليات» هي جوهر النظام الديمقراطي.
وشهدت كلمة المنقلب السفيه السيسي خلال حفل الإفطار التي لم تذع كاملة عبر وسائل الإعلام، تطرقه إلى العديد من الملفات، من بينها الأزمات الاقتصادية التي تمر بها مصر والتي وصفها بحسب رواية المصادر السياسية التي حضرت الحفل، وطلبت عدم ذكر اسمها، بأنها كانت خارج إرادة الدولة، في إشارة إلى تفشي فيروس كورونا والحرب الروسية.
والغريب من جميع الأطراف المتفاعلين من السياسيين مع السيسي التوافق على تهميش معتقلي الإخوان المسلمين والإسلاميين والذين يمثلون السواد الأعظم من المعتقلين السياسيين الذين يرزحون تحت الاعتقال، بل إن السيسي يواصل اعتقالاته السياسية بحقهم وسط صمت مطبق من الجميع، وقد قرر اليوم إدراج العشرات من قيادات الإخوان وشركاتهم ضمن قوائم الإرهاب ومنهم حمزة زوبع.
وبحسب مراقبين، فإن الأوضاع الاقتصادية المزرية التي يريد السيسي حلها رغم أنه المتسبب الحقيقي فيها، وتهدئة الشارع قبل مسرحية انتخابات 2024 ، التي سيترشح فيه السيسي منافسا لنفسه أو لأحد الكومبارسات الجديدة، هدفا أبرز لتلطيف الأجواء، مع توقعات باندلاع انفجار شعبي كبير إثر الارتفاعات المتتالية في أسعار السلع واحتياجات المواطنيين ، مع التسليم بأن خروج أي مظلوم من سجون السيسي بغض النظر عن انتمائه السياسي هو أمر مفرح ومثمن ومطلوب في تلك المرحلة.
ويبقى أن حلحلة الأوضاع السياسية لابد أن لا ينطلق أو يقف عند حدود التجزئة وتقسيم المجتمع، واللعب على ورقة الايديولوجية، إذ أن ذلك يزيد من تشرذم المجتمع المصري، بل يفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية بالبلاد المنكوبة بحكم العسكر ، وهو درس لابد أن يعيه كل من يقترب أو يبتعد عن السيسي ، حتى لا تتكرر تجربة السادات ضد اليساريين ولا تجربة عبد الناصر ضد الإسلاميين، لأن ورقة الخلافات الإيديولوجية مهددة للأمن المجتمعي المصري ، بل إن القوى السياسية عليها التفكير في خلع السيسي أو الإطاحة به قبل أو عند انتخابات 2024، حتى لا يستمر مسلسل تدمير مصر وهدمها خطوة خطوة.