يبدو أن مصر أصابتها لعنة، فأسعار الطعام ترتفع في مصر بجنون رغم أنها تنخفض عالميا؛ والبرهان على ذلك أسعار زيت الطعام؛ حيث أعلنت شركات “عافية وأرما” ارتفاع أسعار العبوات من 50 و55 جنيها بنهاية نوفمبر 22م إلى 65 و70 جنيها في المتوسط حاليا في منتصف يناير 23م. بزيادة حوالي 15 إلى 20% خلال شهرين فقط. وحسب عدد من التجار فإن بعض أصناف الزيوت (وزن 800 مل) زاد سعرها إلى 70 جنيهًا للمستهلكين مقارنة بنحو 38 جنيهًا في أبريل من العام الماضي(22م)، وفي الفترة نفسها زاد سعر السمن النباتي إلى 50 جنيهًا مُقابل 30 جنيهًا (للعبوة وزن 700 جرام).
وانخفضت الأسعار العالمية للزيوت النباتية في ديسمبر الماضي 6.7% مقارنة بنوفمبر السابق، وفق مؤشر الغذاء العالمي لمنظمة الأغذية للأمم المتحدة «فاو»، التي أرجعت هذا الانخفاض إلى تراجع الأسعار الدولية لزيوت النخيل وفول الصويا وبذور اللفت وبذور دوار الشمس. ويعد زيت الصويا أحد المنتجات المرشحة للانخفاض بقوة بنحو 300 دولار في الطن بحلول مارس المقبل، نزولًا إلى 1347 دولار مقارنة بأسعار نوفمبر الماضي، وببلوغه هذه النقطة سيكون قد تراجع بنحو 25% على أساس سنوي، وفق مؤشرات «فاو». وحاليًا يتراوح متوسط سعر طن الزيوت المستوردة من العباد والنخيل والصويا بين 1250 و1300 دولار.
ويعزو موقع “مدى مصر” أسباب ارتفاع أسعار زيت الطعام في مصر رغم انخفاض الأسعار عالميا إلى ثلاثة أسباب: الأول هو نقص الخامات في مصر . الثاني، انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار حيث فقد نصف قيمته على الأقل بتراجع سعر صرفه أمام الدولار من 15.7 جنيها في مارس 22 إلى 29.6 جنيها في يناير23م. والثالث، هو الاحتكار وتحكم المستوردين في أسعار الكميات المفرج عنها دون رقابة من الحكومة.
يقول صاحب أحد مصانع الزيوت، إن شح الدولار هو السبب الرئيسي للأزمة، مفسرًا: «شهدت الأسواق ارتباكًا في أول ثلاثة أشهر من الغزو الروسي لأوكرانيا، باعتبار البلدين من أكبر منتجي الحبوب، لكن الأسعار لم تتغير في السوق المحلية إلا مع وصول تأثير الحرب على العملة الصعبة في النصف الثاني من العام، وليست الأسعار العالمية السبب، وإن ارتفعت في بعض الفترات». ويضيف: «ببساطة، أزمة خامات تصنيع الزيوت النباتية قريبة الصلة إلى حد بعيد مع أزمة تصنيع الأعلاف، فيعتمد نحو 35 مصنع زيوت وأكثر من ألف مصنع أعلاف على حبوب الفول الصويا والذرة الصفراء للإنتاج، باستثناء أن الزيوت تُنتَج من أصناف أخرى للحبوب كدوار الشمس والنخيل مثلًا، وجميعها مستورد بالكامل».
شُح العملة الصعبة في الشهور الأخيرة ـ مصدر في كُبرى شركات استيراد الحبوب ــ أثر على حجم الإفراجات الجمركية من حبوب الذرة الصفراء والفول الصويا التي تستوردها مصر لصناعة الأعلاف، وصناعة عصر وتكرير الزيوت. وكما قفزت أسعار اللحوم والدواجن إثر الأزمة، شهدت أيضًا الزيوت النباتية قفزات قياسية خلال الأشهر العشرة الأخيرة . وقال المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، إن الشحنات التي ترد إلى الموانئ أسبوعيًا تتجاوز 250 ألف طن من الذرة الصفراء والفول الصويا، لكن لا يتم الإفراج عن أكثر من 25 إلى 50% على أقصى حد من هذه الكميات، ما يضغط على احتياجات المصانع، وبالتالي انخفاض قدرات التشغيل.
وأعلنت الحكومة عن الإفراج عن بضائع بقيمة 1.5 مليار دولار في أول عشرة أيام من الشهر الجاري، وقبلها عن بضائع بنحو خمسة مليارات دولار في أول 23 يومًا من ديسمبر الماضي، تضم جزءًا من 1.7 مليون طن ذرة وفول صويا أفرجت عنها الجمارك منذ 16 أكتوبر الماضي، في حين لا تزال نحو ثلاثة ملايين طن عالقة في الموانئ في انتظار الحصول على إفراجات.
ارتفاع تكاليف الإنتاج
قال أحد أصحاب مصانع عصر زيوت الصويا، إنه نتيجة للأزمة انخفضت طاقة الإنتاج بمصنعه حاليًا لأقل من 40%، مقارنة بنحو 65 إلى 70% قبل بداية الأزمة في منتصف العام الماضي، ومع الانخفاضات المتتالية لأسعار الجنيه أمام الدولار منذ هذا الحين، أخذت التكلفة في الزيادة بشكل كبير، تحملت المصانع جزءًا كبيرًا منها لبعض الوقت، لكن مع تفاقمها لم يعد أمامها بدًا من تحريك الأسعار. وأوضح أن أزمة العملة في الأشهر القليلة الماضية، صاحبها ارتفاعًا في الأسعار المحلية لخامات الزيوت رغم تراجعها العالمي، ففي الربع الأخير من 2022 فقط قفزت أسعار الجملة للزيوت الخام بين 15 و19 ألف جنيه في الطن، ليُسجل طن زيت الصويا 50 ألف جنيه، وارتفع زيت دوار الشمس إلى 55 ألف جنيه للطن، والذرة إلى 58 ألف جنيه، والأولين (النخيل) إلى 60 ألف جنيه.
وفق صاحب مصنع عصر الصويا، فإن الصناعة تقع تحت تأثير أسعار الصرف المحلية والأسعار العالمية للخامات التي قفزت بأكثر من 100% منذ 2018 وحتى نهاية العام الماضي، طالما أنها تستورد نحو 97% من الخامات، سواء الحبوب أو الخامات الجاهزة للتكرير المباشر، لعدم زراعتها محليًا.
خطأ السياسات الزراعية
أحد أهم الأسباب أيضا هو خطأ السياسات الزراعية؛ حيث تزرع مصر مساحات ضئيلة سنويًا من المحاصيل الزيتية، فلا تتجاوز 20 ألف فدان من دوار الشمس، و22 ألف فدان من الفول الصويا، ينتجان نحو 50 ألف طن زيوت تقريبًا، وقرب 800 ألف فدان فقط من الذرة الصفراء، أغلب إنتاجها يُستخدم كأعلاف مباشرة، في الوقت الذي لا تزرع فيه مصر أى مساحات لزيوت النخيل وفق تقرير صدر عن وزارة الزراعة الأمريكية في أبريل الماضي(22م).
في العام التسويقي الجاري (بين أكتوبر 2022 وسبتمبر 2023) توقع تقرير «الزراعة الأمريكية» أن يرتفع استهلاك مصر من الزيوت النباتية 4.6% ليصل إلى 2.65 مليون طن، منها أكثر من مليوني طن مستوردة في صورة زيوت جاهزة للتكرير، يتركز أغلبها في زيوت النخيل التي تمثل وارداتها 63% من إجمالي الاستهلاك، والباقي تستخلصه مصانع العصر المحلية من حبوب الذرة المستوردة بأكثر من ثمانية ملايين طن سنويًا، والصويا بأكثر من 3.5 مليون طن، ودوار الشمس بنحو 95 ألف طن.
الأزمة التي ظهر معها شعار جديد رفعه المسؤولون عن المحال التجارية الكبيرة وسلاسل السوبر ماركت «عبوة واحدة تكفي». الشعار نفسه رفعته وزارة التموين، لكن مبكرًا، فمنذ أغسطس الماضي (22م) أعلنت الوزارة ضوابط جديدة لصرف السلع التموينية، من بينها زجاجة زيت واحدة (وزن 800 مل) لكل مواطن على البطاقات التموينية بسعر 25 جنيهًا، وبحد أقصى أربع زجاجات زيت للبطاقة الواحدة. وتوفر الوزارة سنويًا قرب 800 مليون عبوة لحاملي البطاقات الذين يقترب عددهم من 64 مليون فرد، وفق أحد منتجي الزيوت. وتعاقدت وزارة التموين (في ديسمبر 2022) على استيراد 42 ألف طن زيت خام، منها 30 ألف طن زيت صويا، بالإضافة إلى 12 ألف طن زيت دوار الشمس، ضمن خطة الدولة للحفاظ على مخزون السلع الاستراتيجية لمدة ستة أشهر بالنسبة للبطاقات التموينية.
من ناحية أخرى، قال مصدر بقطاع الزيوت لـ«مدى مصر»: «رغم أن مصر تبحث عن كل مصدر ممكن لزيادة الدخل الدولاري، تؤثر أزمة الإفراجات الجمركية عن الخامات المستوردة على صادرات الزيوت»، التي احتلت المرتبة الأولى من حيث العائد الدولاري بين قطاعات الصناعات الغذائية المصرية بنحو 371 مليون دولار في 2021، وبنمو 72% عن نتائج 2020، وفق بيانات المجلس التصديري للصناعات الغذائية، وخسرت المصانع تعاقدات تتجاوز 70 مليون دولار في الشهور الثلاثة الأولى لحظر صادرات الزيوت كليًا بعد إعلان الغزو الروسي لأوكرانيا، وإن حصلت بعدها على استثناءات ضعيفة لم تفِ بكامل الاحتياجات.
حلول مقترحة
وكشف تقرير صادر عن معهد المحاصيل الحقلية في مركز البحوث الزراعية أن مصر تستورد زيوت وبذور زيتية بكميات تبلغ 5.7 ملايين طن سنويًا، تشمل مليوني طن زيوتاً ( تمثل 98 في المائة من الاحتياجات) و3.7 ملايين طن بذوراً زيتية. وأرجع التقرير هذه الفجوة إلى تراجع المساحات المزروعة بالمحاصيل الزيتية، والتي تمثل في الوقت الحالي 3.7 في المائة من المساحة المحصولية، وذلك لعدم الإقبال على زراعتها لعدم وجود نظام تسويقي يشجع المزارعين، ويحميهم من جشع واحتكار التجار ومصانع التكرير. وأوصى التقرير بتشجيع المزارعين على زراعة الأصناف الجديدة من المحاصيل الزيتية ، ومنها نبات “الكانولا”، الذي ترتفع فيه نسبة الزيت إلى 45 في المائة، بالإضافة إلى أنه عالي الجودة، ومحصول شتوي، ويتحمل الظروف البيئية المعاكسة خاصة الملوحة ونقص المياه.