البيانات والإحصاءات أدوات ووسائل علمية للتعرف علي المشكلات وإيجاد حلول لها، هذا ما يقوله المنطق ولكن حكومة الانقلاب تتفنن في إخفاء المعلومات وفي المجمل لا تتعب نفسها في إيجاد حلول لمشاكل المواطنين، فكيف تُخفي الحكومة مسحًا علميًا اجراه فريق من الأطباء عام 2017 حول انتشار الامراض النفسية في المجتمع المصري؟ ، حيث قامت حكومة الانقلاب بإخفاء النتائج الكارثية التي توصل لها مسح علمي أكد إصابة 25% من المصريين بأمراض نفسية.
ولم يتوقف الامر عند هذا الحد؛ حيث لم تقم الدولة بواجبها ودورها الذي حدده الدستور وهو عرض الامر علي ذوى الاختصاص وتقديم العلاج والرعاية الصحية لكل هؤلاء المرضي الذين هم مسئولية الحكومة بالأساس، فهل تخلّت الحكومة عن وظيفتها الدستورية أم انها مشغولة بمشروعات البناء المشتركة من المستثمرين الأجانب وعلاج هذا العدد من المرضى ليس ضمن مسئوليتها؟
كان الصحفي حسام بهجت قد كشف عن مسح مهم أجرته وزارة الصحة المصرية بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن مدى انتشار الأمراض النفسية في مصر.و جرى المسح سنة 2017، وهو منشور ومتاح منذ سنة 2021، لكن لم يتم تسليط الضوء عليه إعلاميا على الرغم من أهميته الشديدة، والحقيقة ان هذه فرصة لنسلط الضوء عليه، بما أنه في الغالب نقاشات المرض النفسي محظورة بشكل ما في مصر، وتخضع لتابوهات اجتماعية كبيرة جدا.
جرى المسح القومي للصحة النفسية بمشاركة 250 باحثًا، وتحت إشراف 20 طبيبًا نفسيًا، وتم فيه مسح عينة ضخمة جدا شملت 25 ألف أسرة تقريبا في الريف والمدينة، وفي مختلف الفئات الاجتماعية.
كيف نقرأ نتائج البحث؟
الرقم الذي كشفه البحث للوهلة الأولى يثير الكثير من المخاوف، حيث أكد أن واحدًا من كل أربعة أشخاص في مصر عانى من المرض النفسي خلال الفترة السابقة مباشرة على البحث، بمعنى أن 25٪ من المصريين تقريبا يعانون من الأمراض النفسية، والمرض الأكثر انتشارا وفقا للبحث هو الاكتئاب، ويليه إدمان المواد المخدرة.
ويقول البحث كمان إن نسبة انتشار الأزمات النفسية المستمرة لمدة سنة هي نفس النسبة، 25٪، وذلك يعني أن معاناة هؤلاء الأشخاص من الأمراض النفسية ليست معاناة عابرة أو عرضية أو قصيرة المدى، وإنما يعانون من حالات نفسية شديدة، وهذا الرقم مرتفع جدا مقارنة بالتقدير العالمي، لأن منظمة الصحة العالمية تقول إن معدل انتشار الأزمات النفسية المستمرة لمدة سنة عالميا هو حوالي 14٪.
لكن في الحقيقة ومع التدقيق، سوف نجد أن المعدل العالمي هذا غير دقيق نتيجة إن بعض البلدان تقدم على الأرجح بيانات تحاول أن تقلل من واقع انتشار الأمراض النفسية فيها، مثل عندما نجد في حالتي الهند والصين، الذين يزعمون أن انتشار الأمراض النفسية فيهما أقل من 10٪.
وهذا كلام ليس منطقيًا من الهند والصين، لأن أغلب بلدان العالم الأخرى التي تتوفر فيها بيانات بجودة عالمية ترصد غالبا معدل انتشار للأمراض النفسية حوالي 20٪، مثل حالة المملكة العربية السعودية التي يقول المسح الشامل الخاص بها إن معدل انتشار الأمراض النفسية لديها هو 20٪، وكذلك الولايات المتحدة التي يصل المعدل فيها إلى 23.5٪، وإنجلترا المعدل فيها 22.5٪. وبالتالي فرقم المسح الذي يظهره رقم مرتفع بلا شك، ويجب التوقف عنده، لكن لا ينبغي المبالغة أو تصور أن هذه حالة استثنائية بين دول العالم.
فجوة علاجية خطيرة
ما نستطيع قوله إنه أمر استثنائي وخطير جدا جدا هو الفجوة العلاجية التي يتكلم عنها البحث، لأن البحث يقول إن من بين كل هذا الكم من المصابين بالأمراض النفسية في مصر، 0.4٪ فقط الذين يتلقون علاجًا، أي ان من بين كل 1000 شخص مصابين بأمراض نفسية في مصر، 4 أشخاص فقط يتلقون علاجًا، وهذا لا يحدث في السعودية مثلا، التي بياناتها تقول إن 52٪ من المصابين بأمراض نفسية بين السكان، يتلقون علاجًا، وحتى الولايات المتحدة تقول إن 17٪ من المصابين يتلقون علاجًا. وبالتالي هناك مصيبة واضحة في مصر ليست بالأساس في مدى انتشار الأمراض النفسية، وإنما في توفير خدمات الصحة النفسية للسكان والمرضى المصابين.
الحكومة فين؟
وعلي الرغم من أن هذا البحث اجري في 2017، وظهر ونشر في 2021، إلا أننا منذ ذلك الوقت لم نر أي تحرك واضح من وزارة الصحة في هذا الملف، لا بزيادة عدد مستشفيات الصحة النفسية، ولا بحملات حتى للتعليم والتوعية. وحملات التعليم الصحي والتوعية هنا ليست رفاهية ولا "سبوبة" إعلانات تليفزيونية، وإنما هي ضرورية والبحث نفسه يوضح خطورتها.
يقول البحث إن انتشار الأمراض النفسية في الريف أعلى من المدينة، وهذا ضد التصور الساذج المنتشر بين كثير من المصريين عن إن المرض النفسي هذا مرض سكان المدينة والناس الذين يعيشون نمط حياة حديث، أما الفلاح والمؤمن فلا يصابون بالمرض النفسي، هذا كلام فارغ، البحث العلمي يثبت إنه غير صحيح، وكما أن البحث يضيف نقطة مهمة جدا، وهي إن انتشار الأمراض النفسية بين الفئات الاجتماعية الأقل دخلا أعلى من الفئات الميسورة.
وهذا يعني بوضوح اننا لا نستطيع ان نفصل المرض النفسي عن الظروف الاجتماعية العامة، ولا يمكن ان نتصور أن المرض النفسي في نفس الوقت هو موضة جديدة أو شيء يخص الناس الذين لا يعرفون ربنا، أو الناس المرفهة، بالعكس المرض النفسي يصيب الفقير والفلاح والمتدين والملحد، لأن المرض النفسي له أسباب عضوية.
وإعادة إثارة الموضوع هذه الأيام مهمة ليس فقط لكي نقول إن هناك كوارث، لكن من اجل ان نساءل الحكومة ووزارة الصحة، هناك باحثون أكفاء ومؤسسات اجتهدت وكشفت عن أزمة وعن أبعادها وطرحت سياسات ومقترحات للحلول، فكيف تصرفت الحكومة؟
ومهم هنا أيضا أن نفتح النقاش حول العنف التوليدي، مصر بلد عادي فيه كل المشاكل الموجودة في العالم، وفيه ناس مجتهدة تكشف المشاكل وتقدم حلولًا، هل سوف تسجنون هؤلاء الباحثين مثلما فعملتم مع دكتورة أمنية؟ ام ان الأولى من السجن أننا جميعا نتكاتف حكومة ومجتمعًا مدنيًا بحثا عن حلول لمشكلاتنا بدل أن ندفن رأسنا في الرمال.