ما يحدث بين النظم العربية هو (لعب عيال)؛ وخير برهان على ذلك ما يجري حاليا بين النظامين المصري والسعودي؛ وآخر فصول هذا الشجار الصبياني أن رئيس تحرير صحيفة “عكاظ” السعودية محمد الساعد، كتب مقالا مهينا تحت عنوان (لماذا يكرهوننا؟) ثم تم حذفه بعد أن وصلت رسالته والهدف منها.
مشكلة مقال الساعد أنه لم يكتف بالهجوم على نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، وهو يستحق ذلك فعلا، لكنه تمادى بالإساءة إلى الشعب المصري نفسه وتلك جريمة بحد ذاتها؛ فالساعد يتحدث عما أسماه بالحقد الدفين الذي تكنه دول عربية للمملكة الغنية بالنفط الداعمة لأشقائها على مدار التاريخ. ويصف الساعد مصر بأنها (عالة) على مساعدات المملكة، بعدما صدرت فشلها الاقتصادي للسعودية ثم عاملتها بجحود كبير. وأن هذه الدولة العالة (مصر) فشلت في تقديم نموذج وطني واحد، تحكمها ملكية (الأسرة العلوية) ثم تستيقظ على انقلابات عسكرية (إشارة إلى انقلاب يوليو 1952م) تحكم بالمسدس والبندقية.
وذكر رئيس تحرير عكاظ مصر بالاسم بشكل صريح لا تلميح فيه، وهو ما يعني أن المقال جاء ردا على مقال رئيس تحرير الجمهورية عبدالرازق توفيق الذي احتوى على كثير من البذاءات بحق المملكة، ما كان يليق لها أن تحدث إلا بضوء أخضر من أجهزة السيسي الأمنية. والنظام السعودي يدرك ذلك؛ يدرك أن من كتب هذا المقال وسب وشتم وتطاول على المملكة ليس عبدالرازق توفيق؛ فهو أحقر شأنا من ذلك؛ لكنه السيسي نفسه وأجهزته الأمنية؛ وأن توفيق ما هو إلا (كلب حراسة) يرافق سيده ويبقى طول إشارته على الدوام؛ ينبح وقتما يريد، ويكف بإشارة من سيده، ويهز ذيله لآخرين حسب إرادة الأسياد. نفس الأمر ينطبق على محمد الساعد؛ فهذه النوعية من الكتاب والإعلاميين ليسوا شيئا هم مجرد بيادق تستخدمها السلطة وفق تقديراتها وقد تلقي بهم في أقرب سلة زبالة إذا رأت ذلك.
مشكلة هذه النوعية من أمثال توفيق أو الساعد، أنهم (إمعات)، مجرد (ذيول)، يقبلون بفتات السلطة ويتحركون وفق مشيئتها، فلا رأي ولا فكر ولا أخلاق، بل هو الاسترزاق بالنفاق والتلون وخدمة السلطة إلى أقصى مدى يمكن تخيله.
عند الشعب عليك أن تتوقف
مقال الساعد وقع في فخ الإساءة والتطاول على الشعب المصري؛ وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلا، نعم نعلم أن مقاله يأتي ردا على مقال الحفاة العراة الذي كتبه أحد ديدان السلطة في مصر والذي أهان فيه شعب بلاد الحرمين، لكن المصريين خط أحمر، على الساعد وأمثاله وأسياده كابن سلمان أو غيره أن يدركوا ذلك. وعندما يشير المقال إلى ملايين المصريين العاملين في بلاد الحرمين الشريفين؛ فإنهم لم يذهبوا مستولين كالسيسي الذي ما جاء للسلطة إلا بانقلاب عسكري دعمه النظام السعودي بعشرات المليارات من الدولارات ولولاهم لما جاء للسلطة في مصر. فالمصريون هناك هاجروا بعقود عمل يقدمون خدمات جليلة لبلاد الحرمين الشريفين ولإخوانهم في الدين والعقيدة والعروبة، ما يأخذونه هو شيء قليل لا يكافئ ما يقدمونه لبلاد الحرمين من علم وخبرة في مجالات التجارة والنقل والصحة والتعليم والصناعة وغيرها. ولا يمكن أن ينسى إخواننا في بلاد الحرمين الدور العظيم الذي قدمه المعلمون المصريون لبلادهم في مجال التربية والتعليم والعلوم الشرعية خلال العقود الماضية.
يقول الساعد: «حاول السعوديون ـ قدر جهدهم ـ تحسين أحوال جيرانهم العرب ومدوهم بالأموال وبرامج التنمية، واستقدموا عشرات الملايين من العمالة العربية التي أعادت ضخ المليارات في اقتصادات بلدانها، ومع ذلك فقد بقي الجحود مقيماً في نفوس الكثيرين”.. وهنا المشكلة الكبيرة فيما كتبه الكاتب السعودي المقرب من ولي العهد. فالشعبان المصري والسعودي ليس بينهم أي مشكلات على الإطلاق؛ فروابط الإسلام والإخوة أقوى من أن تعصف بها رياح خماسين يشنها المنافقون هناك وهناك. فالذين تجمعهم كلمة التوحيد ويعتصمون بحبل الله لا تفرقهم انحرافات الحكام ودسائس المنافقين.
ما فعله توفيق والساعد هو انعكاس لمدى انحطاط مستويات السلطة في كلا البلدين، وأن بلادنا للأسف باتت تحكمها نظم لا تتمتع بالقدرة والكفاءة أو الاحترافية أو حتى القيم والأخلاق. لأن الذي هاجم السعودية هو السيسي ونظامه وأجهزته، ومن هاجم مصر هو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ونظامه وأجهزته. أما الشعبان المصري والسعودي فستبقى إخوة الدين والعروبة تعصمهم من الانزلاق إلى هذا السلوك المنحرف والبذاءات التي لا تصدر إلا عن منافقين مردوا على النفاق.
فنحن وإخواننا في بلاد الحرمين شعب واحد وأمة واحدة كما نص على ذلك القرآن الكريم، ولن تفرق بيننا أبدا فتن المنافقين ودسائس المنحرفين من أهل السلطة والحدود التي وضعها الغزاة المحتلون. وحتما سيأتي يوم ستتلاشى فيه هذه الحدود المصطنعة وتعود أمتنا أمة واحدة يستطيع الإنسان أن يسافر إلى كل هذه البلاد دون الحاجة إلى موافقة من أحد أو تأشيرة من أحد. هكذا كنا وهكذا سنعود أمة واحدة شعب واحد يسودنا الإسلام العظيم وقيم وأحكام القرآن الخالدة، ولو كره الكافرون وحلفائهم من المنافقين في بلادنا.