حلم راود المصريين للتخلص من فساد القصر وتلاعب الملك والإنجليز بمصر، نحو الازدهار والتطور، الذي وعدت به ثورة 1919 الشعب، حتى تحقق ما كان يصبو إليه المصريون في 23 يوليو 1952، حين نجح الضباط الأحرار في التخلص من الحكم الملكي وإعلان الجمهورية الجديدة، واعدين الشعب المصري بالحريات والديمقراطية ومكافحة الفساد.
إلا أن طمع العسكر في السلطة التي رأوها أنها من حقهم هم فقط، فتحول حلم المصريين إلى كابوس من الفقر والإفقار والفساد والحكم الشمولي وقتل الحريات وقضم الدستور والتخلص من كل ما ييطالب بعودة العسكر لثكناتهم وإنهاء دورهم في الحياة السياسية، ووصل الأمر للانقلاب على الرئيس محمد نجيب، الذي كان يرى ضرورة عودة الحياة المدنية والديقراطية وترك الحكم للشعب.
ومن يومها بدأ الخداع للشعب، وانتفشت العسكرتارية التي طغت على كل شيء ، من اقتصاد وإعلام ومجتمع وسياسة واقتصاد، وهو ما فاقم الفساد وحطم حلم الازدهار والتقدم…وزج بالآلاف في السجون وانتهكت الملكيات الخاصة باسم الثورة، واحتل الضباط المنازل والقصور والاقطاعيات دون ردها للشعب، وبات الإعلام وسيلة لتخدير المصريين والتلاعب بهم، وتوجيههم حسب أجندات العساكر وليس الوطن.
من ثورة إلى عورة
وتحولت الثورة التي أُنشدت لها الأغاني والأفلام، إلى عورة، بل وصفها أول رئيس لها بأنها باتت جريمة، على حد تعبير محمد نجيب نفسه.
وكان نجيب قد قارن في مذكراته بين وداع الملك فاروق، وبين ما حصل معه من قبل الضباط الأحرار، قائلا: “ودعناه بالاحترام وودعوني بالإهانة، ودعناه بالسلام وودعوني بالصمت والاعتقال، مضيفا ، تمنيت أن يعاملوني لحظة التخلص مني كما عاملت الملك الفاسد”.
وفرق نجيب في حديثه عن ثورة يوليو وبين ما كانت تهدف إليه، وبين ما حدث بعد عام 1954، فكتب يقول: إن “الثورة تحولت إلى عورة، بل وصل الأمر إلى تسميتها في آخر صفحة من كتابه بـالجريمة، وذلك بسبب ما وصفه بممارساتها الدكتاتورية التي طالته قبل الجميع”.
وعبر عن ذلك بقوله: “أنصار الثورة كانوا أشد عليها من أعدائها”، كما اعتذر عن تسميته لتنظيم الضباط الأحرار بذلك الاسم، واصفا إياهم بـ”الضباط الأشرار”.
ضياع الحلم
وباتت الحرية والازدهار اللذين سعى إليهما المصريون بعيدي المنال، وبدلا من ذلك وضع الضباط الأسس للحكم العسكري الشمولي، والاستبداد وقمع الحريات والتلاعب بالقضاء والرأي العام وإفساد الاقتصاد.
وكانت التغييرات في البنية الاجتماعية في مصر من بين بعض نتائج الإطاحة بالنظام الملكي، حيث أصبحت الثقافة الريفية أكثر بروزا في المراكز الحضرية، مما أدى إلى تغيرات في المواقف تجاه النساء والأقليات الدينية، وفقا لعالم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق.
في أعقاب أحداث 23 يوليو، قام عبد الناصر بتأميم الشركات المملوكة في الغالب من قبل الطبقة الأرستقراطية والأجانب والجالية اليهودية في مصر.
الالتصاق بالقصر
منذ 23 يوليو 1952، لم يترك أي رئيس مصري منصبه طواعية أو بعد خسارته الانتخابات، فقد اغتيل القادة أو أطيح بهم.
على مدى السنوات ال 71 الماضية، كانت مصر إما تحت حكم ضباط عسكريين سابقين أو تحت سيطرة الجيش، باستثناء حكم الرئيس الشهيد محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطيا جرى الانقلاب عليه في 3 يوليو 2013 من قبل وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي.
وحكم الجيش البلاد دائما.
وتم تعديل الدستور للبعض للبقاء في السلطة كما هو الحال مع الراحل أنور السادات ، الذي اغتيل في عام 1981 ، تلاه سقوط حسني مبارك في عام 2011.
وسيطرة الخوف وفقدان المصالح جعلا المصريين يمتنعون عن تحدي الحكام، وينظرون إلى الحكم العسكري على أنه أمر لا مفر منه، خاصة وأن الأنظمة العسكرية المتعاقبة أضعفت أي مصلحة عامة في السياسة..
وامتدادا لحكم العسكر، ومن أجل أن يتمكن السيسي من تأمين منصبه، يحافظ على علاقة ثابتة مع الجيش ويسيطر على القضاء بينما يحكم البلاد بقبضة من حديد.
كما يتمتع ضباط الجيش بعد السيسي بمزايا لم يحصلوا عليها بنفس الطريقة قبله، السيسي يحرص على الإمساك بالقادة لضمان ولائهم وتجنب أخطاء أسلافه، وتحديدا مبارك ومرسي، حتى يتمكن من البقاء في السلطة وعدم الثورة ضده.
تأميم الرأي وقضم الحريات
علاوة على ذلك، سيطر العسكر على وسائل الإعلام كما بات لا يوجد مجال لحرية التعبير أو الديمقراطية أو الحكم المدني، كما سيطر السيسي ومن قبله العسكريون في تعيينات القضاة واختيارهم وفق ولائهم للنظام.
ويمكن القول: إن “حكم العسكر بكافة شخوصه وأساليبه، أضر بمصر وبشعبها أيما إضرار، لقد وقف حكم العسكر حائلا صلبا طيلة سبعة عقود وزيادة، ليمنع تقدم مصر وقوتها وأمنها القومى ونهضتها وتقدمها ورقيها وتحضرها، وكان سببا في خسارتها لمعظم معاركها الحربية”.
واستطاع حكم العسكر أن يحول مصر من دولة رائدة في الوطن العربي، إلى دولة تنفذ مخططات خارجية سواء في علاقه مصر بروسيا أثناء تولي الرئيس جمال عبدالناصر وتطبيق الفكر الشيوعي الروسي وتبني سياسه الانقلابات العسكري في كل الدول العربية.
وظهر ذلك جليا في تولي أنور السادات لحكم مصر وتحول مصر من دولة اشتراكية إلى دولة رأسمالية بعدما سقط الدب الروسي وظهر على السطح المارد الأمريكي الذي أصبح يدير اللعبه ومصر أصبحت أداة من أدواته المهمه في قيادة الوطن العربي .
ليأتي محمد حسني مبارك ليسير على درب من سبقه في خدمه الفكر الأمريكي والسياسات الأمريكية في المنطقة العربية وتقديم فروض الولاء والطاعة لأمريكا، والتي جعلت من مصر دولة صديقة للكيان الصهيوني على الرغم من التاريخ الطويل والأبدي في عداوة مصر بالكيان الصهيوني، وهو ما يسير عليه السيسي حاليا.
وأد الدينقراطية
وبعد أربعة أشهر فقط من ثورة 23 يوليو، أصدر مجلس قيادة الثورة قانونا بحل الأحزاب، وعلى رأسها حزب الوفد، واستبدالها جميعا بالاتحاد الاشتراكي.
أصبحت مصر خالية من الأحزاب السياسية حتى العام 1977، حينما أصدر الرئيس الأسبق أنور السادات قانون تنظيم الأحزاب، والذي يضمن الموافقة على تأسيس أحزاب جديدة.
وقد أدى حل الأحزاب لعدم وجود معارضة سياسية، وترسيخ لحكم الفرد الواحد، ومن ضمن عورات ثورة يوليو، اعتقال رموز الحركة الطلابية وخاصة بعد المطالبة بمحاكمة قيادات الجيش المسئولين عن نكسة 1967 كما تم طرد أساتذة الجامعات المعارضين،كما جرى إغلاق الصحف، بعد 7 أعوام على ثورة 23 يوليو وفي عام 1960، أصدر جمال عبد الناصر قرارا بتأميم الصحف المصرية ونقل ملكيتها للاتحاد القومي، بعد أن كان حق إصدار الصحف بمجرد الإخطار.
وأصبح في يد الحكومة أيضا قرار تعيين رؤساء التحرير، وكذلك فرض الرقابة على كل ما ينشر بالصحف، كما لا يجوز لأي صحفي العمل في الصحافة إلا بترخيص من الاتحاد.
لم يأت قرار تأمين الصحف فجأة، فبعد الثورة تم إغلاق الكثير من الصحف بدعوى انتمائها لأحزاب سياسية انتهت بقيام الثورة، وهو ما عمق حكم الفرد.
ورغم أن دستور 1923 ينص على حرية تنظيم النقابات؛ إلا أنه كان هناك شد وجذب مع الحكومة بسبب دورها في الحياة، حتى جرى تأميمها.
وانتهى الأمر بفرض النظام سيطرته على هذه النقابات من خلال تعيين رؤساء النقابات من مجلس الثورة.
كما أن ثورة يوليو أفرزت حالة من تضييق الخناق على الرأي العام في مصر، وصلت حد اعتقال الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر لآلاف المعارضين من تيارات فكرية مختلفة، ونفذ حكم الإعدام في بعضهم.
وبذلك تحولت ثورة يوليو إلى عورة في جبين المصريين، ما زال الجميع يدفع ثمنها، بعد 71 عاما، من عبد الناصر حتى السيسي، الذي أهدر الحريات وأضاع الاقتصاد وحول الدساتير والقونين إلى مجرد آلهة من العجوة يأكلها عندما يجوع كعادة العرب في الجاهلية.