انعكست صدمة تراجع صادرات الحديد بفعل الرسوم الامريكية التي وصلت ل80% على المصانع وسلاسل الإمداد والعمالة، ما دفع الصناعة إلى البحث عن أسواق بديلة لتجنب توقف خطوط الإنتاج.
ويبدو أن الاتجاه الأبرز للصادرات سيكون نحو أمريكا الجنوبية، إلى جانب أسواق في شمال إفريقيا والخليج، لكن هذا التحول يفرض تكاليف إضافية في الشحن والتوزيع، ويستلزم مرونة أكبر في التسعير وتطوير المنتجات لتلائم المواصفات المختلفة.
ونتيجة ضغوط خارجية مزدوجة تمثلت في الرسوم الأميركية المرتفعة على المعادن والقيود الأوروبية المرتبطة بنظام الحصص؛ تراجعت صادرات الحديد المصرية خلال العام الماضي تراجعًا واضحًا، خاصة مع نهايته.
الإجراءات أضعفت تنافسية المنتج المصري في الأسواق الكبرى، إذ ارتفعت الأسعار النهائية مقارنة بمنافسين يتمتعون باتفاقات تفضيلية أو قدرات إنتاجية أوسع، بينما فرضت أوروبا حدودًا كمية معقدة جعلت الشحنات المصرية أقل مرونة وأكثر عرضة للمخاطر.
ومع ذلك، فإن تنويع الأسواق قد يقلل هشاشة القطاع أمام القرارات الحمائية المفاجئة، بشرط وجود سياسة تصديرية مساندة تدعم المعارض والاتفاقات اللوجستية وتوفر معلومات سوقية دقيقة.
حائط الرسوم الأمريكية
وبحسب نشرة (إنتربرايز) أصبح الحديد المصري خارج السوق الأمريكية رسميا، بعد أن فرضت وزارة التجارة الأمريكية رسوم تعويضية مبدئية بنسبة 29.51% على واردات حديد التسليح المصري، بدعوى تلقي الشركات المحلية دعم حكومي غير عادل، وتضاف الرسوم الجديدة إلى قرار إدارة ترامب بمضاعفة رسوم الأمن القومي (Section 232) إلى 50% في يونيو الماضي، مما يرفع إجمالي الرسوم الجمركية المفروضة على الحديد المصري إلى قرابة 80%، وهو ما يجعله أغلى بكثير من نظيره المنتج في الولايات المتحدة.
وقد يتجاوز إجمالي الرسوم حاجز الـ 100%، مع تحقيقات مكافحة الإغراق الجارية التي قد تضيف ما بين 20% إلى 30% أخرى في مايو المقبل، وفق ما قاله حسن المراكبي، وكيل غرفة الصناعات المعدنية ورئيس مجلس إدارة شركة المراكبي للصلب، في تصريحات لإنتربرايز.
وفي عام 2024، تصدرت مصر قائمة الدول المصدرة لحديد التسليح إلى الولايات المتحدة، بصادرات بلغت قيمتها نحو 175 مليون دولار، بعدما سارع المنتجون المحليون لسد الفجوة التي خلفتها الأسواق المتأثرة بالعقوبات، وكانت هذه الصادرات الضخمة تحديدا ما فجر الرد التنظيمي العنيف من جانب واشنطن، ويعني هذا إغلاقا نهائيا للمنفذ التصديري الوحيد للشركات المصرية، وفقا للمراكبي.
ويعد هذا أول اختبار جيوسياسي حقيقي لشركة حديد عز منذ قرار شطب أسهمها اختياريا من البورصة المصرية في مارس 2025، وبررت الإدارة القرار حينها بأنه يهدف لمنح الشركة مرونة أكبر في مواجهة مخاطر الصناعة العالمية وتقلبات الأسواق، وكونها شركة خاصة اليوم يعني أنها لن تضطر لتفسير أسباب التراجع الحاد المتوقع في صادرات الربع الأول أمام مساهمي الأقلية، لكن ذلك لن يحل المعضلة الأساسية: أين ستذهب تلك الكميات الفائضة الآن؟
ماذا بعد؟ من المتوقع أن تتوقف الشحنات تماما بدءا من الآن، إذ لا يمكن لأي شركة المغامرة بشحن بضاعة قد تفرض عليها رسوم إضافية بأثر رجعي عند وصولها، بحسب المراكبي، ومع إغلاق السوق الأمريكية وتطبيق الاتحاد الأوروبي لضرائب الكربون الحدودية (CBAM)، من المرجح أن يتحول التركيز إما نحو تسريع الاستثمارات الخضراء لتجاوز العقبات البيئية الأوروبية، أو التوجه نحو مشروعات إعادة الإعمار الإقليمية في ليبيا وغيرها، أو المنافسة في السوق المحلية التي تعاني بالفعل من تخمة في المعروض.
في الداخل، تواجه صناعة الألومنيوم أزمة نقص الخام، ما دفعها للاعتماد على الخردة والاستيراد كحلول اضطرارية، هذه البدائل تضمن استمرار الإنتاج لكنها تزيد التكلفة وتعرض الشركات لمخاطر سعر الصرف وتقلبات الأسعار العالمية، وهو ما يضعف القدرة التنافسية في ظل القيود الجمركية والحصص.
بذلك، يصبح تراجع صادرات الحديد والألومنيوم نتيجة مباشرة لتداخل ضغوط خارجية وداخلية، والاستجابة الفعالة تكمن في تنويع الأسواق، رفع القيمة المضافة للمنتجات، وتحسين إدارة سلاسل التوريد والتدوير، بما يحول الأزمة إلى فرصة لإعادة تموضع الصناعة بدل الانكماش المستمر.
لقاء دافوس
وقال المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "حديد عز"، أحمد عز، "أنا أكتر واحد بيزعل في مصر لما أسعار الحديد بترتفع"، أضاف عز، (خلال مقابلة لرجل الأعمال أحمد عز مع قناة الشرق، اليوم على هامش مشاركته في دافوس 2026.) أن سعر طن حديد التسليح مؤثر في مصر بصورة كبيرة، على العكس من غالبية دول العالم تقريباً، فالحديث عن زيادته يضاهي في الأهمية الحديث عن زيادة في سعر سلعة غذائية أساسية.
وتابع: "الظروف تجبرنا أحيانا على زيادة أسعار الحديد وفي أحيان أخرى نخفض الأسعار بصورة مفاجئة، فهناك ضرورة لمواكبة الأسعار العالمية"، متجاهلا الحديث عن الرسوم الأمريكية على صادرات الحديد إلى أمريكا.
وزعم أن هناك تصور عام بأن قطاع صناعة الحديد في مصر يحقق أرباحا خيالية، موضحا أن هذا التصور ينافي الحقيقية خاصة خلال الـ20 عاما الأخيرة، فمتوسط العائد على المبيعات في "حديد عز" على سبيل المثال بلغ 3%، مضيفا "نروح فين أقل من كدا".
كارثة 11 يناير 21
في 11 يناير 2021 قامت منظومة العسكر بتصفية قلعة من قلاع الصناعة المصرية وأحد أعمدة العمل النقابي والعمالي شركة الحديد والصلب بحلوان تحت ستار “الخسائر المتراكمة”، اليوم بعد 6 سنوات نفتح ملف الفساد المنظّم الذي طال هذه الشركة ونهب أصولها وممتلكاتها من شركات تابعة للعسكر وشركات خاصة كما رصدها تقرير المركزي للمحاسبات.
وبحسب (المجلس الثوري المصري) كانت الأرض المسجلة حوالي 3500 فدان، لكن المصفي الحالي أسامة بدوي ادعى أن الأراضي الفعلية اللي تم جردها هي فقط 2600 فدان تقريبا، بما يعني اختفاء ما يقرب من 900 فدان من أصل أراضي الشركة، بقيمة سوقية 6 مليارات جنيه.
وبيعت خطوط الإنتاج والمعدات بأقل من قيمتها: خطوط الدرفلة والأفران ومحطات الإنتاج بيعت لشركة مالتي تريد التابعة لجهاز المخابرات العامة، بقيمة أقل من متوسط التقييمات اللي قدمتها عدد من المكتبات الاستشارية. ثم تقاعست عن استلام المشتريات ودفع المستحقات عليها، ما تسبب في خسائر كبيرة لشركة الحديد والصلب، دون أن تتخذ لجنة التصفية أي إجراء بما في ذلك الحصول على الغرامات المنصوص عليها في التعاقد.
وتعاقدت شركة مصر العليا للتصنيع الزراعي التابعة لجهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، لشراء مواد من شركة الحديد والصلب في حلوان، وبعد سنوات من مخالفة العقد والتأخر في الاستلام وهدر المواد، بسبب التعامل معها بشكل غير سليم والحصول على كميات من المواد المباعة بالفعل، تم إنهاء التعاقد بالتراضي بين الشركة ولجنة التصفية بدون أي خصم من التأمين أو غرامات على الشركة العسكرية.
أما أمن مصنع الحديد والصلب فتقدم بمحاضر سرقة في خمس مناسبات لعاملين في شركة مصر العليا وشركة مالتي تريد وشركة أخرى، وفي كل الحالات، ولم تقم لجنة التصفية بإبلاغ جهات التحقيق في الوقائع، واكتفت برد المسروقات.
وحصلت الشركة العربية للصلب المخصوص قطاع خاص ومملوكة لرجل الأعمال أيمن العشري على وحدة الأكسجين ليندا 4 بـ 154 مليون جنيه فقط، بينما كانت كلفتها التاريخية 331 مليون جنيه، دون تطبيق العقوبات أو الغرامات.
وجرى تمديد التصفية وتضارب المصالح حيث التصفية المقررة عامين، امتدت أكثر من ثلاث مرات، حتى 2027 أو إنهاء أعمالها ورئيس لجنة التصفية كان سابقًا مراجع حسابات الشركة، ما يشكل تضارب مصالح واضح.
