ذوبان حقوق أصحاب المعاشات .. مراقبون: تدوير الأموال يقع في فخ القوانين ومحاولات السيسي التملص

- ‎فيتقارير

 

في مقابل المعاناة الاقتصادية، تبرز معاملة أصحاب المعاشات كفئة "خارج الخدمة والحياة" ببروز خطاب إعلامي يحاول التملص من التزامات الدولة تجاه هذا القطاع، تصريحات مثل تلك التي أطلقها الذراع الإعلامي أحمد موسى بقوله: إن "أصحاب المعاشات هم أكثر ناس مرتاحة لأنهم يتقاضون أموالاً دون عمل"، تمثل مغالطة منطقية ومحاسبية فادحة.

 

هذا الخطاب يتجاهل أن هذه الأموال هي نتاج عمل لعقود مضت، وأن صرفها ليس "منحة" بل هو رد للأمانات، مثل هذه التصريحات تعمل على "شيطنة" أصحاب الحقوق وتصويرهم كعبء على الموازنة العامة، في حين أن الحقيقة التي كشفها أمين عام نقابة المعاشات، إبراهيم أبو العطا، هي أن الحكومة مدينة لهذا القطاع بمئات المليارات، وأن الزيادات السنوية (مثل علاوة الـ 15%) لا تواكب القفزات الجنونية في تكاليف المعيشة.

وقال أبو العطا: إن "الحد الأدنى للمعاشات "1755 جنيها" لا يكفي لفاتورة الكهرباء خاصة بعد رفع أسعار شرائح الكهرباء على المباني المخالفة التي تستخدم العدادات الكودية من الشريحة الأدنى إلى الأعلى".

ونبه أمين عام نقابة أصحاب المعاشات، إلى المطالبة بحد أدنى للعلاوة السنوية يتراوح بين 750 و1000 جنيه، ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى أكثر من 3000 جنيه مع إعادة هيكلة الزيادات السنوية لمواجهة التضخم وتحسين أوضاع أصحاب المعاشات.

وأيده نائب العسكر "ضياء داوود" الذي قال: إن "أصحاب المعاشات ليسوا عبئا على الدولة وقيمة المعاش تآكلت بسبب ارتفاع الأسعار، وأموال التأمينات والمعاشات ممتدة منذ أيام بطرس غالي الذي استولى وآخرين منهم مبارك وصفوت الشريف على 640 مليار جنيه وبدد فعليا منها 400 مليار واعترفت حكومة مبارك ووزراء منهم ميرفت التلاوي وزيرة الشؤون الاجتماعية، وتعهدت حتى وقت قريب الوزارة علي سداد المبلغ علي 50 سنة وأن تتكفل بصرف المعاشات على أساس أن المعاشات خاصة بالناس وليس لها علاقة بأموال الحكومة وموزانتها".

وفي أبريل الماضي أكد إبراهيم أبو العطا، الأمين العام لنقابة أصحاب المعاشات أن العلاوة المقررة بنسبة 15% لأصحاب المعاشات لا تتناسب مع الظروف الاقتصادية الحالية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة في تصريحات صحفية.

وفي مارس قال أبو العطا، أمين عام النقابة العامة لأصحاب المعاشات: إن "المعاش المبكر اتقفل بقانون 2019 وده أثر على بعض الناس، وإنه لازم يكون فيه حد أدنى للمعاشات مع زيادات تدريجية، مش دفعة واحدة".

وأضاف أن زيادة عاجلة للمعاشات وصرف المنح الاجتماعية مباشرة من الخزانة العامة يجب أن يكون سريعا، خاصة لمن خرج معاش بدءا من أكتوبر 2025 ولم يستلموا معاشتاتهم إلى اليوم"، مؤكدا أن "الدولة مدينة لأصحاب المعاشات بـ 140 مليار جنيه" بخلاف المديونية الأصلية التي يسال عنها يوسف بطرس غالي بعد عودته لمقعده بأحضان الانقلاب.

وسبق أن أعلنت الأمانة العامة لنقابة أصحاب المعاشات أن ”المالية تعهدت بتسديد 80 مليار جنيه من أصل 640 مليار مستحقة للتأمينات”

https://altreeq.com/109850

وفي مارس 2019 قال صندوق التأمينات: "المالية سترد 640 مليار جنية للمعاشات".

https://x.com/masrawy/status/1109578065288548352

وذلك بعد أن "وجه" السيسي وزارة المالية لرد الأموال المستحقة للمعاشات الخاصة بوزارة التضامن الاجتماعي، وهو ما يقارب الـ 640 مليار جنيه.

مطالبات يومية

ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك 2026، تتزايد تساؤلات أصحاب المعاشات حول إمكانية تبكير صرف معاشات شهر يونيو قبل موعدها الرسمي، خاصة بعد ما حدث في سنوات سابقة من تقديم مواعيد الصرف تيسيرًا على المواطنين خلال المناسبات والأعياد الرسمية.

واقترح أعضاء نواب العسكر إصدار قانون بأنه مع خروج الموظف للمعاش يظل يتقاضى آخر راتب وصل إليه في وظيفته حتى وفاته  ويتقاضى في المعاش نفس الراتب دون أن ينقص مليما واحدا ، أو يتقاضى مكافأة نهاية خدمه توضع وديعة في بنك بعائد يساوي مرتبه قبل خروجه للمعاش.

فلسفة انكماشية

وكانت ديباجة تعديلات قانون المعاشات المعيب رقم 148 لسنة 2019 التي وافق عليها برلمان نواب العسكر في 5 مايو الجاري، لم يظهر منها بنود إلى اليسير منها وهو إضافات هزيل للغاية مقل اقتراح "إعفاء أصحاب المعاشات من رسوم السحب من ماكينات الصراف الآلي"! في وقت يؤكد فيها نقابيون على المعاش أن المعاشات الحالية لم تعد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية وسط ارتفاع الأسعار.

وكان صدور القانون رقم 148 لسنة 2019 شكل نقطة تحول قانونية أثارت جدلاً واسعاً، فبينما تروج الحكومة للقانون بصفته وسيلة لتحقيق "الاستدامة المالية" ومعالجة التشابكات التي بلغت 640 مليار جنيه، يرى مراقبون أن القانون وضع قيوداً تعجيزية، خاصة فيما يتعلق بـ "المعاش المبكر".

وكان مما أدى هذا القانون إلى غلق باب الخروج الآمن لآلاف الموظفين، مما أدى عملياً إلى "احتجاز" أموالهم لفترات أطول داخل المنظومة لتقليل النفقات الدورية للهيئة، هذه السياسة التشريعية، رغم أنها تهدف لضبط الميزانيات، إلا أنها تسببت في "ذوبان" الحقوق المكتسبة، حيث أصبح الحد الأدنى للمعاشات (الذي يبلغ حالياً 1755 جنيهاً بحسب تصريحات إبراهيم أبو العطا) لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية مثل فاتورة الكهرباء أو الدواء.

استقطاعات العجز المدار

يرى خبراء المحاسبة أن المبالغ التي تُخصم شهرياً من الموظفين ليست "ضريبة" أو "هبة" من الدولة، بل هي استقطاعات استثمارية إجبارية. من الناحية المحاسبية، يجب أن تُدار هذه الصناديق وفق مبدأ "الفصل المالي التام" عن الخزانة العامة. إلا أن الواقع التاريخي، الذي استمر منذ عهد يوسف بطرس غالي وصولاً إلى الوضع الحالي، يكشف عن استخدام هذه الأموال لتمويل عجز الموازنة العامة عبر "تدويرها" في سندات وأذون خزانة حكومية.

 

هذا التدوير، وإن بدا قانونياً، فإنه محاسبياً يمثل "مخاطرة تركز"، حيث تصبح الحكومة هي المدين والحكم في آن واحد. وعندما تكون فوائد هذه السندات أقل من معدل التضخم الحقيقي، فإن النتيجة الحتمية هي "تآكل القيمة الرأسمالية" لأموال التأمينات، وهو ما وصفه النائب ضياء داوود بأن قيمة المعاش تآكلت بفعل ارتفاع الأسعار، مؤكداً أن أصحاب المعاشات ليسوا عبئاً على الدولة بل هم دائنون لها.